​​​​​​المملكة العربية السعودية والدور اللوجستي الواعد

بدأت المملكة العربية السعودية وبشكل متسارع بالعمل لتنويع اقتصادها غير النفطي، حيث أطلقت مسارًا طموحًا وبشكل متسارع لتصبح مركزا لوجستيا رائدا في منطقة الخليج ومحيطها.

في أبريل من عام 2016، قامت المملكة العربية السعودية بإطلاق رؤية 2030. ولعل من أهم ركائز هذه الرؤية تحويل المملكة إلى المحور اللوجستي المفضل في المنطقة، والقادر على الربط الفعال للمسارات التجارية بين ثلاث قارات هي آسيا وأوروبا وأفريقيا. واليوم، وبعد مضي نحو 18 شهرًا منذ إطلاق الرؤية، بدأت تتضح ملامح هذا المسار، مع مواصلة الجهود لجعل عمليات الاستيراد والتصدير أكثر سلاسة، وإعادة تشكيل لوائح وهياكل حوكمة القطاع اللوجستي، وفتح الطريق أمام تحرير السوق ومشاركة القطاع الخاص. الشراكات بين القطاعين العام والخاص يتم تكوينها بهدف تمويل البنى التحتية واستقطاب القدرات من أصحاب الخبرات. وبالتالي، فإنه من المتوقع بحلول عام 2030 أن تتبوأ المملكة العربية السعودية مكانها بين أهم المراكز اللوجستية في المنطقة.

إقامة محور لوجستي عالمي
إن عزم المملكة العربية السعودية التحول إلى محور لوجستي رائد في المنطقة يرتكز على ثقلها الاقتصادي وموقعها الجغرافي المتميز. فالمملكة تمتلك أكبر اقتصاد في منطقة شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، حيث تسهم بحوالي 38% من إجمالي الناتج المحلي و21% من تعداد السكان في هذه المنطقة. ويعد موقع المملكة المركزي مثاليًا للتوزيع في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وشرق أفريقيا، كما أنها تقع مباشرة على الطريق التجاري الذي يربط بين آسيا وأوروبا، والذي يمر منه 12% من تجارة الحاويات سنويًا (انظر شكل 1).

 شكل 1: المقومات التي تساعد المملكة على التحول إلى محور لوجستي

وتهدف المملكة العربية السعودية إلى الاستفادة من هذه المزايا الاستراتيجية والتحول إلى الخيار الأفضل والأقل تكلفة للتوزيع إلى شبه الجزيرة العربية والمشرق العربي وشرق أفريقيا، مع الارتقاء بجودة الخدمات اللوجستية والبنية التحتية وخدمات التتبع إلى المستويات العالمية. ويوضح الشكل 2 مركز المملكة العربية السعودية على مؤشر الأداء اللوجستي (LPI) الذي يصدر عن البنك الدولي، والمستويات التي يجب الوصول إليها لتحقيق الأهداف الموضوعة.

شكل 2: مركز المملكة العربية السعودية في عام 2016 وأهدافها في عام 2020 على مؤشر الأداء اللوجستي

إستراتيجية المملكة والمكاسب المبكرة
لتحقيق رؤيتها في أن تصبح مركزا لوجستيا، قامت المملكة بإطلاق برنامج من تسع مبادرات من أجل النهوض بقطاع الخدمات اللوجستية (انظر شكل 3).
​شكل 3: برنامج تحسين القطاع اللوجستي في المملكة العربية السعودية
  1. ​​الاستيراد والتصدير. تمكنت المملكة العربية السعودية من تقليل الوقت والتكلفة وزيادة الانتظام في عملية استيراد السلع والبضائع من خلال إعادة هندسة العملية والاعتماد بشكل أكبر على المكننة، حيث انخفض متوسط زمن فسح البيانات الجمركية في الموانئ البحرية بمقدار النصف ليصل إلى 2.2 يومًا فقط، وفي المطارات إلى 1.2 يومًا؛ كما انخفض عدد المستندات الورقية التي يجب ارفاقها فيما يتعلق بأعمال الاستيراد والتصدير بنسبة 75 في المائة (انظر شكل 4).

  2. ​شكل 4: المكاسب المبكرة لتيسير العمليات الجمركية
      كما تحسنت بدرجة كبيرة درجة الانتظام في عملية الفسح، حيث يتم الآن فسح 40% من البيانات الجمركية في الموانئ البحرية خلال 24 ساعة فقط، و70% منها خلال 48 ساعة. وقد أمكن تحقيق هذه النتائج بعد تطبيق نظام تقديم البيانات قبل وصول الشحنات، والاستعانة بالتقنية في فسح البيانات، وزيادة ساعات العمل في مصلحة الجمارك لتصبح على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، وخفض مستوى التفتيش اليدوي من خلال تعزيز عملية إدارة المخاطر، وزيادة التعاون والتكامل بين مختلف الهيئات الحكومية المعنية في عملية الاستيراد/التصدير.
  3. ​التحول الرقمي: تساعد التكنولوجيا على تحسين مستوى الأمن والشفافية في عمليات الاستيراد والتصدير. واليوم، أصبح باستطاعة المستوردين تتبع حالة شحناتهم وموقعها الحالي لحظة بلحظة. كما يتسلم المخلصون الجمركيون إخطارات إلكترونية على هواتفهم الجوالة بشأن حالة شحناتهم، وكذلك إخطارات إلكترونية قبل وصول الشحنة، بتوفر بيان الشحنة على البوابة الإلكترونية وبالتالي إمكانية البدء في إجراءات عمل البيانات الجمركية. كما قامت المملكة حديثًا بتدشين نظام للموانئ البحرية لضمان تبادل المعلومات بين جميع الأطراف المعنية بعملية الاستيراد والتصدير بشكل آمن وفعال، ويشمل هذا النظام العمليات التي تتم على متن السفن، والعمليات التي تتم في الموانئ، والدفع الرقمي، وإدارة الشاحنات، وغير ذلك. كما يتم في الوقت الحالي تطوير نظام مشابه للمطارات. 
  4. النقل والبنية التحتية: قامت المملكة العربية السعودية بوضع خطة رئيسية جديدة للبنية التحتية في قطاع النقل بهدف تحسين مستوى الجودة والسلامة والكفاءة في القطاع. وتهدف الخطة إلى تطوير البنية التحتية، بما في ذلك مشروع الجسر البري الذي سيربط بين الساحلين الشرقي والغربي للمملكة، ومسارين حديديين جديدين هما خط السكة الحديدية الذي سيربط بين دول مجلس التعاون في الشرق، وخط السكة الحديدية ينبع-جدة في الغرب (يمر عبر ميناء الملك عبد الله ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية). كما يتوقع في الفترة القادمة إنشاء محطات لوجستية جديدة متعددة الأنماط لتلبية الطلب المتزايد على وسائل الربط بين البحر والجو، وبين السكك الحديدية والبر.
  5. الشحن الجوي: تعمل المملكة العربية السعودية في الوقت الحالي على تحديث مطاراتها وتوسيع مرافق الشحنات الجوية للتغلب على المشاكل الناتجة عن محدودية سعة المنشآت المخصصة للشحنات الجوية. ويتمثل الهدف في زيادة إجمالي السعة المخصصة للشحنات الجوية في المملكة من 0.8 مليون طن/سنويًا في الوقت الحالي إلى 6 مليون طن/سنويًا في عام 2030.
  6. اللوائح والقوانين: إذا كانت المملكة العربية السعودية تأمل في جذب قدر أكبر من المنافسة والمشاركة من جانب القطاع الخاص، فيجب أن تكون اللوائح والقوانين قادرة على تلبية المعايير الدولية. وقد أدركت المملكة هذا الأمر بشكل جيد، ولن يمر وقت طويل حتى تصبح مهنة وسيط الجمارك متاحة للعاملين في قطاعي التصنيع واللوجستيات، وهو ما يمثل خطوة كبيرة تجاه الوصول إلى مستوى الاحترافية المطلوب. كما تخضع قوانين التراخيص التي تقدم لمزودي خدمات النقل البري ومشغلي المستودعات للمراجعة في محاولة لتحسين معايير الكفاءة والجودة والسلامة.
  7. الموانئ البحرية: تجري في الوقت الحالي جهود كبيرة لتحسين الكفاءة وجودة الخدمة في الموانئ البحرية من خلال زيادة مستوى الخصخصة في الموانئ، وتحقيق الإصلاحات في عملية الحوكمة، وتحديث أطر الامتياز. ويمثل تأسيس الشركة المعنية بتنظيم الموانئ حديثًا "موانئ" باكورة الجهود الرامية إلى خصخصة وإضفاء الطابع المؤسسي على قطاع الموانئ، حيث تعمل الشركة في الوقت الحالي على مراجعة أطر الامتياز لجعلها أكثر شفافية وعدالة وجاذبية لمشغلي المحطات الدوليين (الذين يتمتعون بالفعل بمكانة راسخة في المملكة حاليا)، وكذلك للمشغلين المحليين الذين يزيد عددهم بشكل مستمر في هذه الآونة.
  8. قطاع السكك الحديدية: يمر قطاع السكك الحديدية بإصلاحات مشابهة. ففي العام الماضي، تم فصل الجانب التنظيمي عن الملكية، والتعهيد به إلى جهة تنظيمية مستقلة (هيئة النقل العام – قطاع السكك الحديدية). وتقوم الحكومة في الوقت الحالي بدمج إدارة جميع عمليات تشغيل السكك الحديدية، والتخطيط لإرساء عقود التشغيل والصيانة الخاصة بخدمات الشحن والركاب لمشغلين دوليين يتمتعون بأعلى الخبرات. وفي المستقبل، يمكن تمويل البنى التحتية الجديدة في قطاع السكك الحديدية من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
  9. القطاع الخاص: قامت المملكة مؤخرًا بمنح عقد مدته 20 عامًا لمجموعة شانغي السنغافورية للمطارات لإدارة العمليات في مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة. كما سوف تقوم شركة SATS، وهي أكبر مشغل للعمليات الأرضية في سنغافورة، بتطوير وتشغيل مبنى شحن جديد في مطار الملك فهد الدولي في الدمام. ويتم في الوقت الحالي وضع خطط مشابهة لمطار الملك خالد الدولي بالرياض لزيادة مشاركة القطاع الخاص.
  10. الم​ناطق الاقتصادية الخاصة: تهدف المملكة العربية السعودية لخفض التكاليف والحد من العوائق التي تكتنف عملية إقامة الأنشطة التجارية، وأشكال دعم التجارة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ويتم دراسة خطط لتطوير عدد من المناطق الاقتصادية الخاصة الجديدة التي تتميز بإجراءات ميسرة لإقامة الأنشطة التجارية، وسياسات ضريبية جذابة، ومناطق للمخازن الجمركية، وكفاءة في الربط بين وسائل النقل.
نقاط جذب جديدة لاقتصاد المملكة عبر استثمارات واعدة  
تتمتع المملكة العربية السعودية بالموقع المركزي وحجم الاقتصاد الكبير، وهو ما يمثل ميزة فردية تساعد في تحول المملكة إلى محور لوجستي إقليمي هام. ولكن نظرًا لأنه لا يمكن التعويل على الحجم والموقع فقط، فقد شرعت المملكة في برنامج طموح لتحسين الخدمات اللوجستية، يشمل تبسيط عمليات الاستيراد والتصدير، وتحسين البنية التحتية، وإصلاحات الحوكمة والجوانب التنظيمية، وتحرير وخصخصة السوق. وفي هذا السياق، تمكنت المملكة بالفعل من تحقيق مكاسب مبكرة، منها تقليل فترة التخليص الجمركي وجعل العملية الجمركية أكثر انتظامًا، والتوسع في سعات أصول النقل الرئيسية، ومنح العديد من عقود الامتياز لمشغلين من القطاع الخاص. ولن تتوقف المملكة عند هذا الحد، فمع اكتساب قطاع اللوجستيات المزيد من القوة والثقل، تبقى أعين المستثمرين معلقة بالفرص الواعدة في القطاع.
​​