|
أولاً : موانئ الأحساء
في عام 963هـ / 1555م وجه السلطان سليمان القانوني جيشاً إلى الأحساء بقيادة
محمد باشا فروخ , تمكن من الاستيلاء عليها وبنى مسجداً داخل قلعة الكوت يعرف
الآن بإسم ( مسجد الدبس ) . وانتهت فترة السيادة العثمانية الأولى للمنطقة
عام 1080هـ , وكان آخر ولاتها عمر باشا . وقد انتهز آل حميد من بني خالد فرصة
ضعف الدولة العثمانية فثاروا على حكامها وطردوهم من الأحساء . وكان أول من
تولى الحكم من بني خالد براك بن عريعر , وسمى نفسه ملك الأحساء وذلك عام
1080هـ / 1669م , وجعل مقر إقامته قرية المبرز شمال مدينة الهفوف . واستمر
حكم بني خالد في الأحساء والقطيف حوالي 128 سنة ( السبيعي 1987 : 32-35
) , إلى أن جاء عام 1271هـ / 1854م
الذي شهد السيطرة الثانية للدولة العثمانية على الأحساء . وقد نجحت بريطانيا
في أن تحكم الطوق على نفوذ الدولة العثمانية في الخليج بعقدها مجموعة من
المعاهدات السياسية مع شيوخ وأمراء منطقة الخليج العربي ( العقاد د. ت: 188
). وكانت منطقة الأحساء هي المنطقة الوحيدة التي ظلت تحت السيطرة
العثمانية . وفي سبيل دعم النفوذ العثماني في هذه المنطقة قام مدحت باشا في
عام 1288هـ / 1871م بقيادة كتيبة قوامها 300 جندي نزلت ميناء العقير , وقام
بإجراء بعض التعديلات اللازمة لتقوية قوته البحرية , وضم إليه بعض السفن
التجارية , واستعان ببعض القوارب الصالحة للعمل في المياه الضحلة التي يتميز
بها ميناء العقير قاعدة , مما عد مؤشراً على أنه ينوي جعل ميناء العقير قاعدة
بحرية في مقابل استخدام بريطانيا للبحرين ( الشعيل 1988 : 122
). وكانت موانئ الأحساء أهم وسيلة اعتمد عليها الحكام العثمانيون في
الاتصال بالسلطة المركزية , ولذا فقد أولوها المزيد من العناية والاهتمام .
وأهم موانئ الأحساء في الفترة العثمانية المتأخرة العقير والقطيف والجبيل .
ميناء العقير :
هو من موانئ الأحساء القديمة التي كانت عامرة طوال فترة التاريخ الإسلامي
كما سبق أن ذكرنا . وظل الميناء الأول للمنطقة خلال العصر العثماني , وأطلق
عليه بالتركية أسكلة عقير. وكان يدار من قبل مدير يسمى مدير أسكلة العقير أو
رأس الليمان ( العيدروس د. ت : 40 ). وقد شيد العثمانيون بالميناء عدداً من
المباني اللازمة لأداء وظائفه , شملت خاناً كبيراً من يضم عدداً من الحوانيت
ومنزلاً لمدير الميناء ومبنى للجمرك وبرج حراسة.
وتذكر تقارير المُنَصِّرين ( رواد الإرساليات التنصيرية ), أن حركة الميناء
لاتهدأ , إذ أن عدد السفن الراسية به لم يكن يقل عن (30) سفينة في الغالب ,
وأن العاملين يُنْزِلون البضائع , ثم تحمل على أكثر من ألفي جمل ( البسام
1993 : 44 ). ويعد العقير معبراً لبلدان وسط الجزيرة من جهة الشرق ,
فقد كانت الشخصيات الإنجليزية والأوروبية من سياسيين وأطباء ورؤساء بعثات
يتوجهون من البحرين إلى نجد عبر ميناء العقير ( الوثيقة البريطانية رقم
R/15/2/33 مؤرخة في 3 / 11 / 1917م ).
وكان الوجود العثماني في ميناء العقير عسكرياً بالدرجة الأولى ( لوريمر د.ت
: 857 ). وقد قام العثمانيون بإصدار جوازات سفر خاصة لتنظيم عملية الانتقال
من الأحساء عن طريق العقير إلى المناطق الأخرى ( السبيعي 1987 : 182 ) , حتى
إنه عندما دخل الملك عبدالعزيز العقير لتوقيع معاهدة العقير مع كوكس كانت
العقير فقيرة , وقد وصفها أمين الريحاني آنذاك بقوله «ليست العقير بمدينة أو
قرية , ولاهي حتى مضرباً من مضارب البدو , وإنما العقير اسم لقصر من القصور
التي ذكرت لجمرك من جمارك نجد في الأحساء على ساحل الخليج ». والعقير هي أحد
موانئ السلطان الثلاثة يتبعها القطيف والجبيل شمالاً منها , ولكنها موانئ
قلما يرى فيها غير المراكب الشرعية ( الريحاني 1987 : 515 ). واستمر الوضع
على ذلك إلى أن جاء عام 1332هـ / 1913م مسجلاً نهاية الوجود العثماني في
الجزيرة العربية . وبعد أن ضم الملك عبدالعزيز الأحساء أصبح ميناء العقير هو
المنفذ الوحيد الملائم لقوات الدولة السعودية , وأخذت أهميته السياسية تزداد
يوماً بعد يوم , ويعد ترحيل القوات التركية عن طريقه بعد أن استسلمت للقوات
السعودية أول خطوة سياسية هامة يكتسبها الميناء ( الشعيل 1992 : 93 , 108-
109 ).
ميناء القطيف :
استقرت جالية صغيرة تحترف التجارة من مواطني الهند البريطانية في القطيف ,
وكانت تعمل أساساً في استيراد التجارة العامة من الهند , وتصدير المجففة
إليها . وكانت أول وكالة تجارية هندية في القطيف هي التي يمتلكها كالونجا ,
وهو تاجر ثري من كاش بدأ عمله في الأحساء سنة 1281هـ / 1864م , وتبعتها
وكالتان أخريان سنة 1283هـ / 1866م تقريباً . وفي عام 1298هـ / 1880م بذل
هانجام رام تيكام داس . وهو أحد كبار تجار الهنود في البحرين جهوداً كبيرة
لتحسين حال الجالية بأن أقام وكالة قوية تكون مسؤولية عن تجارة الهنود في
القطيف , وتبعته في ذلك وكالة هندية أخرى , غير أنه بسبب تعسف جباة الضرائب
والعقبات التي أقامها المسؤولون العثمانيون في الميناء انهارت تجارة الهند في
القطيف ؛ ففي عام 1300هـ / 1882م بدأ تحصيل عوائد الميناء على السفن الداخلة
إلى ميناء القطيف والخارجة منه , وفي سنة 1305هـ / 1887م بذلت محاولة محمومة
لإنشاء ميناء في دارين بهدف تحويل تجارة الأحساء ووسط الجزيرة عن البحرين ,
لكن التجربة فشلت فشلاً ذريعاً ولم تستمر في السنة التالية ( الشرفاء 1414 :
43 - 46 ). وفي مطلع
القرن العشرين , وبالتحديد عام 1905م , كانت حرفة صيد اللؤلؤ في أوج مجدها
وكانت موانئ واحة القطيف في كل من دارين وتاروت والقطيف تعج بالحركة (
النغيمشي1992: 326 ). وقد أنشئ خان كبير داخل أسوار مدينة القطيف . أما إدارة
الجمارك فكانت تقع على رصيف الميناء .
ميناء الجبيل :
نشط ميناء الجبيل في العصور الإسلامية المبكرة كما تدل على ذلك الآثار
المكتشفة فيه , غير أن إهمالاً كبيراً أصابه في العصور الإسلامية الوسيطة ,
ولم تبرز أهميته في العصر العثماني إلا في عام 1327هـ / 1910م , عندما
استوطنت أسرة البوعينين في الجبيل , وأنشأت الفرضة المشهورة التي استخدمها
التجار في استيراد بضاعتهم من الهند ومن دول الخليج العربي , حيث كانت
المراكب الصغيرة تصل إلى مرفأ الجبيل محملة بالبضائع الخاصة بالتجار , وتحمل
مباشرة إلى أصحابها بواسطة قوافل الجمال إلى شمال نجد ووسطها . وكان أهم هذه
البضائع السلع الإستهلاكية التي منها البخور , والقهوة , وبعض أنواع الحبوب
والعطور ( النغيمشي 1992 : 231 -232 ). وقد جرى
إعفاء ميناء الجبيل من دفع الضرائب تشجيعاً للاستقرار فيه , وذلك مدة خمس
سنوات من الإقامة حتى تتحسن أحوال سكان الجبيل , ولهذا لم يؤسس مركز جمركي في
الفترة العثمانية هناك , مما ساعد على انتعاش الميناء بشكل كبير , وتحولت
إليه العديد من السفن من ميناء العقير والقطيف (
الحسن 1416 : 19 ).
العثمانيون وتطور المكننة في موانئ الخليج :
شكلت موانئ الخليج أهمية قصوى في مجال الحركة التجارية للدولة العثمانية في
سواحل الجزيرة العربية الشرقية وفي المناطق الداخلية منها . وازدادت أهمية
هذه الموانئ للعثمانيين عندما كانوا بحاجة ملحة إلى تثبيت سيادتهم على أجزاء
من الساحل الشرقي للجزيرة , بخاصة في منطقة الأحساء وقطر . ويندرج هذا المبدأ
ضمن تطلعات الدولة العثمانية في بسط سيادتها على البحرين , ومناطق الساحل
العماني , إذ ظل مبدأ السيادة هذا يراود الدولة العثمانية بين الفينة والأخرى
, كإجراء تنافسي مع الدول الأوروبية الكبرى , خاصة مع دولة بريطانيا العظمى ,
وكأسلوب تطلعي نحو مد السيادة العثمانية على أجزاء أوسع من منطقة الساحل
الخليجي .
وازدادت أهمية الموانئ الخليجية في الإستراتيجية العثمانية في الخليج عندما
اصطدمت الدولة بحالات من الفتن والاضطرابات التي ظهرت في المناطق العثمانية
الخليجية , في حالات كثيرة كرد فعل ضد الأسلوب العثماني من جهة , وعدم القبول
بمبدأ تسلط المسؤولين الإداريين والعسكريين العثمانيين من جهة أخرى ( الوثيقة
التركية, أرشيف رئاسة الوزراء بإسطنبول, أوراق الباب العالي, وثيقة رقم
216786, مؤرخة في 21 آب 1322هـ ), (
الوثيقة التركية , أرشيف رئاسة الوزراء
بإسطنبول , أوراق الباب العالي
, وثيقة رقم 209859 , مؤرخة في 25 آذار
1322هـ ).
وقد أفاد العثمانيون في مجال المواصلات البحرية من ظاهرة التطور الصناعي
الميكانيكيّ العالميّ , وما أحدثه هذا الانقلاب الجذري من علامات التطور في
الحركة الصناعية والتجارية على حد سواء , فاستخدموا السفن البخارية , و قد
وصل المنصر الأمريكي صمويل زويمر من البصرة إلى البحرين على ظهر سفينة بخارية
عام 1892 م ( البسام 1993 : 5 ) . و ربط العثمانيون الموانئ بشبكات تلغراف و
بريد مراكز للشركات التجارية العالمية خاصة بعد تزايد الطلب على مواد الخام و
المصنوعات ، و كل هذا ساعد على تنشيط الحركة التجارية العثمانية في المنطقة ،
و زاد في تطوير شبكة المواصلات و الاتصالات في مناطق الجزيرة العربية بخاصة
السواحل منها . و لهذا زادت حركة المواصلات و تطوير في إنهار العراق و في
الخليج ، و استخدمت الدولة العثمانية باخرتين هما لبنان و الإسكندرية خرجتا
من ميناء البصرة في مايو 1871 م / ربيع الأول 1288 هـ ، ووصلتا إلى رأس تنورة
قرب الدمام و هما تحملان الجند العثماني في الحملة العسكرية التي وجهها مدحت
باشا على الأحساء لاقتطاعها من الدولة السعودية الثانية في محاولة لإعادة
الوجود العثماني في المنطقة الخليجية بعد غياب طويل , وكظاهرة تركيز على دعم
الحكم العثماني في الولايات العربية الشرقية(
شملان 1959 : 135 ).
وقد استخدم العثمانيون السفن الحربية في الخليج , فكانت تبقى مجموعة من
السفن الحربية راسية في مياه الخليج أمام ساحل الأحساء «
لقمع, قطاع الطرق, وأهل الفساد,فلابد من إجراء هذه الأشياء بتلك
الأطراف كما هي عادة الدولة العلية في سائر ممالكها ...» (
منشور مدحت باشا إلى أهالي الأحساء , في 18 رجب
1288هـ ). وتشير الوثائق العثمانية إلى أن
الدولة العثمانية ركزت على منطقة الأحساء واتخذت تدابير مباشرة حين وجهت سفن
حربيّة ( Gun Boatsz ) وسفينة شحن إلى ساحل الأحساء كتدبير وقائي مباشر
للمحافظة على نفوذ الدولة العثمانية وسيادتها على المنطقة , خاصة في مطلع
القرن العشرين الميلادي/الرابع عشر الهجري , حيث أصبح الموقف العثماني في
مناطق الخليج موقفاً متردياً من جراء تمرد القبائل كماهو الحال في قبيلة
العجمان ( لوريمر د.ت:3 / 1034 ). ( الوثيقة
التركية , أرشيف رئاسة الوزراء بإسطنبول
, أوراق الباب العالي , دائرة الأركان
الحربية الشعبة الثالثة , رقم 1382 ,مؤرخة في 20 حزيران 1325هـ
).
ثانياً : موانئ البحر الأحمر
ميناء جدة :
مع دخول الحجاز تحت التبعية العثمانية , ونظراً للموقع الاستراتيجي المهم
الذي تتمتع به جدة فقد جعل العثمانيون جدة تابعة لسلطتهم المباشرة في إسطنبول
, وأصبحوا يعينون لها نائباً مباشراً مستقلاً بعيداً عن نفوذ شريف مكة الذي
خصصوا له نصف إيرادات ميناء جدة , مما أدى إلى كثرة المنازعات بين شريف مكة
ونائب السلطان العثماني في جدة طوال فترة الحكم العثماني (
رضوان1983 : 32 ). وفي أحيان أخرى كان
العثمانيون يضمون ولاية جدة إلى ولايات أخرى مثل ولاية الحبش , وكانت الدولة
العثمانية تنسق بين موظفي إدارتها حيث تنقل الموظفين من إدارة ميناء جدة إلى
إدارة ميناء السويس , ومن إدارة ميناء الليث إلى ميناء رابغ حسب الاحتياج (
المعبدي 1993 : 136
- 137 ). وكان
يساعد والي جدة الذي يسمى قائم مقام ولاية جدة جهاز إداري يتكون من الكتخدا
« النائب » ,
ووكيل البوابين , وحامل الأختام , وكاتب الخزينة , وكاتب المصاريف , وأمير
الإسطبل ( المعبدي1993 : 138
- 139 ).
أما العوامل التي زادت من أهمية ميناء جدة الملاحية والتجارية في العصر
العثماني فهي :
- كثرة الحروب العثمانية في مناطق عسير واليمن ومناطق داخل الجزيرة العربية ,
ممّا روج الحركة البحرية فيه.
- افتتاح قناة السويس عام 1869م , مما ساعد على انتعاش التجارة فيه .
- ازدياد أعداد الحجاج الوافدين إلى الأماكن المقدسة بطريق البحر .
- ازدياد حركة الصيد والتجارة الداخلية بين موانئ البحر الأحمر .
وكان الإعلان عن وصول البواخر ومغادرتها يتم من خلال «
المنادي » الذي ينادي في الأسواق قائلاً.«
بابور بوسطة إنكليزي اسمه جهانكير إن شاء الله بكره حضوره هنا يسافر
بعد بكره كل من له بضاعة أو صرة بالحال يراجع الوكيل حاجي زينل علي رضا
» ثم يتوقف ليعلن عن باخرة أخرى إن كانت قريبة الموعد فيقول «
بابور بوسطة خديوية اسمه الطائف إن شاء الله بكره حضوره هنا يسافر بعد
بكره كل من له بضاعة أو صرة في الحال يراجع الوكيل خواجة جلاتلي هنكي وشركاه
» ( مغربي 1402 : 167
). ومن أبرز الهيئات التي تعمل بميناء جدة طائفة الحمالين, وهم
المسؤولون عن الشحن والتفريغ بالميناء , وكان لهذه الطائفة شيخ , وكذلك طائفة
المعدين الذين ينقلون الركاب والبضائع في مراكب صغيرة من البواخر والسنابيك (
مراكب شراعية كبيرة حمولة100 طن فما فوق ) إلى
أرصفة الميناء والعكس , و كانت هذه الطائفة إما ملاكا لهذه الوسائط أو عاملين
عليها .و لهم شيخ مسؤول عنهم أمام سلطة الميناء وأمره عليهم نافذ (
مغربي 1402 :175 : المعبدي 1993 :140
).وقد أرتبط تجار جده بالتجار في مصر وبخاصة في ميناء السويس الذي كان
يستقبل مختلف السلع المصدرة عن طريق تجار جدة .ويقوم بتصديرها إلى أوربا .
وعن طريق السويس كانت ترسل السلع الآتية من أوربا إلى جدة.وقد قام ميناء
السويس بهذا الدور المهم نتيجة لموقعة الاستراتيجي على البحرين الأحمر
والمتوسط , وبذلك أصبح سوقاً دولياً يوجد به التجار الجداويون إلى جانب
التجار من جنسيات مختلفة كالمغاربة و الشوام وغيرهم .كما كان أمر الوكالات
شيئا معروفاً في ميناء جدة نظراً لارتباطها بالموانئ المصرية والهندية (
المعبدى 1993 : 200
- 203 ).
وكانت التجارة تزدهر إبان موسم الحج , و عند انتهائه تصاب بالركود .و عندما
يكون عدد الحجاج على الحضور للحج , كما حدث في عام 1320هـ /
1902 م حيث زار العديد من مطوفي جدة و الحجاز البلاد الإسلامية لعرض
خدماتهم على الحجاج و الإتفاق معهم في بلادهم وقبل سفرهم , ونتيجة لذلك وصلت
أعداد كبيرة من الحجاج المايزيين ( المعبدي 1993 :
280 ).
وكان هناك أربعة أنواع من سفن الشحن التي تنقل التجارة المستوردة إلى الأخرى
على البحر الأحمر والجزيرة العربية والخليج العربي , ويقوم بهذا النوع التجار
الحجازيون والعرب و الهنود , وكان لعدد من تجار جدة النصيب الأكبر في ملكية
هذة السفن مثل آل زينل , و آل قابل , و باخشب ,و لنجاوي , و آلأ فايز , و
غيرهم .و النوع الثاني شحنات تجارية على سفن أكبر و أوسع نطاقاً تأتي من
موانئ الهند و سنغافورة , و هي سفن كبيرة تبحر إلى البلاد الأخيرة بواسطة
أوربيين.أما النوع الثالث فهو شحنات السفن التي تصل إلى جدة من أوربا بعد شق
قناة السويس . و أما النوع الرابع فهو سفن الشركات التجارية , وكان بعضها يصل
من مصر مثل الشركة الخديوية والشركة العزيزية التي كانت تقوم برحلات منتظمة
بين جدة و السويس وينبع على مدار فصول السنة ( المعبدي 1993
: 305 -
306 ) و من أهم الشركات المصرية التي ساهمت بدور بارز في مجال النقل
البحري بين مصر وميناء جدة « القومبانية المجيدية » التي تأسست عام 1274 هـ /
1857م من مصريين و أجانب وكانت لها عدة توكيلات في البحر الأحمر , و لها عدة
خطوط ملاحية أهمها خط السويس - جدة
- ينبع , كما أسند إليها بصفة خاصة أمر نقل
الحجاج وعودتهم بعد أداء فريضة الحج ( المعبدي
1993 : 249 -
250 ).
وتجدر الإشارة إلى أن وجود بعض العوائق و النواقيص في ميناء جدة كانت السبب
الرئيس في عدم تطور الميناء ليصبح أهم ميناء في البحر الأحمر , لذا فإن
سويلمز أوغلى الذي رفع دراسة واسعة عن أحوال الحجاز إلى السطان عبدالحميد
الثاني 1310هـ / 1892م
أوضح رأية في الطريقة التي يمكن بها تطوير الميناء , وتتمثل في بناء بعض
الأرصفة والفنارات داخل الميناء وإدخال بعض النظم , وقد أدى هذا الإهمال إلى
حرمان خزينة الدوله العثمانية من مبالغ طائلة كان من الممكن أن تعود عليها من
مرور السفن التي تنقل التجارة بين الهند و أوربا.
ويعد ميناء جدة , على الرغم من ذلك , الميناء الثاني بعد السويس في البحر
الأحمر خلال العصر العثماني المتأخر .وعندما زاره الرحالة جول كلودا عام
1312هـ / 1894م ذكر أن في ميناء جدة مجموعة كبيرة من السنابيك و القوارب التي
تنقل بضائع التجار الذين يفدون إليها من كل أنحاء العالم .
وفي عام 1314هـ /
1896م بلغ عدد السفن التجارية التي دخلت الميناء 313 سفينة شراعية . و من
خلال أعداد السفن التي تتردد على ميناء جدة يمكنأن نستنتج أن هذا الميناء كان
معبراً مهماً للسفن وحلقة وصل بين الشرق و الغرب ( إسماعيل 1418 :102-
105 ).
ميناء رابغ :
ازدهر ميناء رابغ خلال العصرالعثماني بحركة تجارية دا خلية , إذ كانت تصل
إليه السفن الشراعية من ميناء جدة . واشتهر باستقبال كثير من البضائع التي
تصل إلى جدة من الموانئ الهندية , وكذلك ارتبط بميناء ينبع وبما يرد إلية من
المنتجات المصرية , وتعامل أيضاً مع ميناء الليث و القنفذة . وقد أنشأ
العثمانيون قلعة في ميناء رابغ . وكان ميناء رابغ الميناء الذي يغذي القرى
والبوادي الواقعة شرقة بما تحتاج إلية من سلع (
المعبدي 1993 :416-417 ). وفي أثناء الحرب العالمية الأولى كانت معظم
البواخر التي تمون البلاد والجيش بالأزرق وغيرها من البضائع تفرغ شحناتها في
هذا الميناء .ومن مزايا رابغ أن ميناءها يعد من آمن ميناء في الحجاز , إذ من
المعلوم أن مرافئ بحر الحجاز كلها مخفية لاتقدر السفن أن ترفأ إليها إلا
بأدلاء بحريين من أهل الحجاز يتخللون البحر أمامها , أما رابغ فقد عافاها
الله من هذه العلة ( أرسلان د.ت 279 ).
ميناء ينبع :
أبقى العثمانيون على أمير الينبعين ( البحر و النخل ) على بن هجار بن دراج
الذي تولى الإمارة عام 917 هـ / 1511 م في نهاية العصر المملوكي و استمر
اميرا إلى عام 928 هـ / 1521 م و يصف ابن إياس هذا الأمير بقوله « خير من ولي
إمارة ينبع » ( الخطيب 1405 : 75 ). و هنا في ينبع يفترض أن تبدأ أهيمتة
السلطان و تنتهي سلطة باشا مصر ( بيرتون 1995 : 185 - 186 ) . و عبر ميناء
ينبع كانت تصل الجرايات المقررة إلى أهل الحرمين منذ أن قررها السلطان سليمان
القانوني . و في عهد السلطان مراد 984 هـ / 1576 م جرى توسيع الميناء و رصف
رصفا محكما ، و جعل الرصيف بطول 50 ذراعا في عرض أربعة عشر ذراعا ليكون صالحا
لرسو عدد من السفن . و في عام 1041 هـ / 1631 م حدثت بعض القلاقل
في الحجاز فأرسلت الدولة العثمانية إلى ينبع ثلاثة آلاف جندي براً، و خمسمائة
جندي بحرا استولوا على الينبعين ( البحر و النخل ) ،و بعثوا إلى زيد بن الحسن
بالخلعة السلطانية بعد أن قضى على التمرد عام 1060 هـ / 1650 م . و في عام
1116 هـ / 1704 م تولى الغمارة سعيد بن سعد بن زيد ، فثار على أمير مكة
الشريف عبد الكريم بن محمد بن يعلى البركاتي بمساعدة قبيلة جهينة ، و احتل
بهم ميناء ينبع و نهب ما فيها من غلال الصدقة الخاصة بأهالي مكة ، و وزعها
على مناصريه ، فوجه امير مكة جيشا إلى ينبع فهزمه هو و من معه في 14 جمادى
الأولى عام 1116 هـ / 1704 م . و في القرن الثالث عشرا احتل الميناء من قبل
محمد علي باشا و ابنائه أثناء حملاتهم عللى الحجاز و نجد ، و استخدم الميناء
لإنزال المعدات الحربية و أمتعة الجند . و في عام 1321 هـ / 1903 م استقبل
ميناء ينبع أول باخرة لقوافل الحجاج و استمر وصول بواخر الحجاج حتى عام 1359
هـ / 1941 م ( الخطيب 1405 : 65 – 76 ، 242 – 243 ) .
و في أوئل القرن العشرين فقد الميناء اهميته الأسباب عدة ، أهمها :
- إنشاء الخط الحديدي عام 1325 هـ / 1907 م و الذي أصبح يربط المدينة المنورة
ببلاد الشام و يستخدم في نقل الحجاج و احتياجات المنطقة .
- توقف طريق القوافل البري العقبة – المدينة و الذي كان يمر بمنطقة ينبع
النخل شرق الميناء .
- تحول الحجاج إلى ميناء جدة حيث توافرت التسهيلات و الخدمات المختلفة .
و على الرغم من أن الخط الحديدي لم يعمل سوى فترة قصيرة إلا أن ميناء ينبع لم
يتمكن من استعادة اهميته القديمة ، و انتقلت معظم الوظائف الاقتصادية و
الاجتماعية و الإدارية التي كانت يؤديها إلى ميناء جدة ( الرويثي 1984 : 299
) .
ميناء أملج :
ورثت أملج ميناء الحوراء القديم ، و نشطت خلال العصر العثماني في التجارة مع
ميناء السويس و موانئ البحر الأحمر الأخرى ، و كانت تصدر ، مثل موانئ شمال
الحجاز الأخرى ، السمن و الفحم و الأغنام و الأسماك الجافة و المملحة ( فيلبي
1962 : 340 ) . و قد أنشأت الدولة العثمانية برجا لضبط الأمن بالميناء و نظمت
جباية الضرائب على البضائع الصادرة و الواردة .
ميناء الوجه :
برزت اهمية ميناء الوجه في أواخر العصر العثماني بعد قرار إنشاء محجر صحي به
للحجاج العائدين إلى مصر و ذلك بعد حوادث الكوليرا التي أصابت الحجاز . كما
كان الميناء نشطا في تصدير الفحم النباتي و الأغنام و منتجاتها إلى السويس
بواسطة السنابيك .( فيلبي 1962 : 327 ) ، و قد زود الميناء بفنار لهداية
السفن في نهاية العصر العثماني ( الجمل 1959 : 392 – 402 ) .
ميناء ضبا :
استمر ميناء ضبا كغيره من الموانئ شمال البحر الأحمر يصدر الأغنام و
منتجاتها و الفحم النباتي إلى السويس و بورسودان ( فيلبي 1962 : 327 ) و بسبب
هذه الصادرات أنشأت الدولة العثمانية إدارة للجمرك بالميناء و بنت قلعة صغيرة
على الهضبة المطلة على المرفأ جعلت مقرا للإدارة العثمانية بالميناء .
ميناء جازان :
مدينة جازان هي عاصمة الإدارية لمنطقة جازان الواقعة في الركن الجنوبي
الغربي للمملكة العربية السعودية ، و تطلق هذه التسمية أيضاء على وادي جازان
الذي تقع مدينة جازان نفسها بالقرب من مصبه في البحر ، و منه أخذت اسمها (
العقيلي 1389 : 14 – 70 ) و تطلق كذلك على المدينة التاريخية المعروفة باسم
جازان العليا التي كانت عاصمة منطقة جازان حتى منتصف القرن العاشر الهجري /
السادس عشر الميلادي ( الزيلعي 1415 : 97 ) .
لم يكن ميناء جازان معروفا قيل القرن العاشر الهجري ، و أول إشارة إلى وجوده
وردت في كتاب ( العقيق اليماني ) باسم « بندر جازان » تمييزا له عن مدينة
جازان العليا التي سبقت الأشارة إليها ( العقيلي 1378 : 1 / 504 ) . و هنا
يفهم من إضافة كلمة « بندر » إلى جازان أن هذه التسمية تعني ميناء ، أو سوقا
تجاريا يرتبط بمدينة بحرية لها ميناء معروف ، كما أن ذكر هذه الإشارة في
القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي يدل على أن ميناء جازان الحالي
كان ميناء عثمانيا لكون العثمانيين قدموا إلى المنطقة منذ النصف الأول من
القرن العاشر الهجري ( العقيلي 1378 : 1 / 306 – 308 ) ، أما قبل ذلك فكانت
الواجهة البحرية لمنطقة جازان يتركنها مرسيان مهمان : أحدهما مرسى عثر شمالي
جازان ، و الثاني مرسى الشرجة إلى الجنوب منها ، و كلاهما اندثرعلى حساب بروز
و ازدهار ميناء جازان الحالي ( العقيلي 1378 : 1 / 5 ) .
اشتهر ميناء جازان بأهميته التجارية و الحربية على حد سواء ، فقد كان ميناء
تجاريا لأناحيته طوال عهود حتى اليوم .
أما من الناحية الحربية فقد كان حيويا للجيوش العثمانية في محاولاتها
السيطرة على منطقة جازان و منطقة عسير ، و حتى أثناء حروبهم المستمرة في
اليمن ، تلك الحورب التي لم تنته إلا بخروجهم من تلك الجهات بعد هزيمتهم
أثناء الحرب العالمية الأولى على أيدي الحلفاء . ( سالم 1971 : 229 – 230 ) .
ميناء القنفذة :
القنفذة من الموانئ المهمة على الساحل الشرقي للبحر الأحمر , ومن المحافظات
الكبرى التابعة لإمارة منطقة مكة المكرمة , و المركز الإداري والتجاري لما
يتبعها من المدن والقرى والأدوية التي تقع في ناحيتها .وهي تبعد عن مكة حوالي
350 كيلاً إلى الجنوب , ولهذا كان لمينائها – حين ازدهاره – اتصال تجاري كبير
مع ميناءي جدة وجازان , بل إن اتصالها جنوباً تعدي جازان إلى ميناء عدن ,
وميناء مصوع على البر الأفريقي .ومع هذه الأهمية لمدينة القنفذة ولمينائها
البحري , لم يرد ذكرها في المصادر التاريخية إلا متأخراً , إذا تعود أقدام
الإشارات التاريخية للقنفذة إلى مطلع القرن العاشر الهجري / السادس عشر
الميلادي ( العصامي 1380 : 4 / 285 ) . ثم توالى
ذكرها في المصادر التاريخية بعد ذلك ، و توالى كذلك تطورها و تقدمها و
ازدهارها حتى اليوم.
و لعل ارتباط ذكر القنفذه بالقرن العاشر يقودنا إلى حقيقة أن ميناء القنفذه
كان عثمانيا ، و كانت له إهمية حربية كبيرة في العهد العثماني منذ أن خضع
الحجاز للسلطة العثمانية سنة 923 هـ / 1517 م ( دحلان د.ت : 73 ) . ثم استمرت
تلك الأهمية حتى بلغت ذروتها في عهد محمد علي حاكم مصر العثماني ، أثنا
محاولاته السيطرة على عسير ( عبدالرحيم 1402 : أكثر من صفحة ) . و استمر
ميناء القنفذة في أهميته التجارية و الحربية في ما تلا عصر محمد علي إلى أن
دخلت القنفذة تحت الحكم السعودي .
|