|
1 – الموانئ المطلة على البحر الأحمر :
يمتد الساحل السعودي الغربي على طول البحر الأحمر من نقطة تقع مرفأ حقل
بحوالي 15 كيلا حيث تبدأ الحدود السياسية بين المملكة العربية السعودية و
الأردن ، و منها يستمر نحو الجنوب على امتداد الساحل الشرقي لخليج العقبة و
الساحل الشرقي للبحر الأحمر نفسه حتى خط عرض 20 16 عند نقطة على البحر الأحمر
بين ميدي اليمنية والموسم السعودية .يبلغ طول الساحل من الشمالي إلى الجنوب
نحو 1.800 كيل ,أي حوالي 77.3 % منإجمالي السواحل السعودية التي تقدر ب2.330
كيلاً وعلى طول هذا الساحل يمتد سهل ساحلي يتميز باتساعه في بعض أجزائه و
انحساره في الأجزاء الأخرى .وفي معظمه يقع ضمن الأقاليم الصحراوية الجافة
التي تتصف بقلة الأمطار ضمن و ندرة المصادر المائية , باستثناء الجزء الجنوبي
من الساحل الذي يعرف بتهامة عسير .
وعلى الرغم من صعوبة الظروف الطبيعية فقد شهد هذا الساحل خلال العصور
الإسلامية قيام بعض المرافئ التي ظل إزدهارها واضمحلالها خاضعاً للظروف
الطبيعية والإقتصادية والسياسية (اللاويثي 1984 :47 – 51)ونستعرض في الصفحات
التالية أهم هذه الموانئ و المرافئ مبتدئين بميناء جدة , ثم الموانئ الواقعة
إلى الشمال منه , ثم الموانئ الواقعة إلى الجنوب منه :
ميناء جدة :
أنشئ ميناء جدة في عهد ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان سنة 26هـ / 646 م
ليحل محل ميناء الشعيبة (الناصر 1980:155). ويرى البعض أن جدة ميناء قديم
يعود تاريخه إلى الفترة السابقة للإسلام ( الأنصاري , عبد القدوس 1982:
77 - 88
).
ازدهرت جدة وازدادت عمارتها لتصبح الميناء الرئيس لمكة المكرمة , مما اهلها
لأن تصبح أعظم موانئ الحجاز , فضلا عن قربها من الموانئ اللجنوبية لشبة
الجزيرة العربية لا سيما عدن , وتوسطها بين الموانئ الحجازية , وكذا قربها من
ميناء سواكن وعيذاب .و لقد تضافرت كل هذه العوامل لتجعل ميناء جدة يستقطب
تجارة البحر الأحمر لقرون عدة (باقاسي 1980 :65 ).
يصف المقدسي جدة في القرن الرابع الهجري بأنها مدينة على البحر محصنة عامرة
آهلة (المقدسي 1408 : 81 ) .أما في عهد ناصر خسرو الذي وفد إليها حاجاً في
منتصف القرن الخامس الهجري فقد كانت كثيرة الخيرات , مزدهر بالتجاة , باسقة
العمران . و وصف أسواقها بأنها نظيفة وجيدة , وقدر عدد سكانها بنحو خمسة آلاف
نسمة ( خسرو 1403 :135 ) . وفي القرن السادس تبدل الحال في جدة , إذ يصفها
الرحالة ابن جبير بأن أهلها يعيشون في شظف من العيش , فبعد التجارة المزدهرة
والنعيم المقيم رضوا بأن يستخدموا أنفسهم في كل مهنة لتحصيل لقمة العيش. وكان
ذلك أمراً طبيعياً للحالة العامة التي يعيشها العالم الإسلامي في ظل الحروب
الصليبية , واضطراب الحكم بين السلاجقة والأيوبيين . وبعد قرن من الزمان
تقريباً يخبرنا مؤرخ عربي آخر وهو ابن المجاور بأن شيئاً من الازدهار قد صادف
جدة في عهده. ( الأنصاري, عبدالقدوس 1982 : 77 - 88 ).
وفي العصر المملوكي بسط المماليك نفوذهم على جدة لتأمين طرق التجارة والحج ,
وحماية الحرمين , وعين السلطان المملوكي حاكماً عاماً لجدة أطلق عليه ((نائب
جدة » يطل مقر إقامته على الميناء ليشرف على حركته. ( المعبدي 1993 :60 ).
ورغبة من السلاطين المماليك في تشجيع التجار على استخدام ميناء جدة اتخذوا
إجراءات عدة , منها : تخفيض الرسوم الجمركية , ومنع تجار مصر والشام من
النزول في ميناء عدن , ومضاعفة الرسوم الجمركية على التجار الذين يمرون على
عدن قبل قدومهم إلى ميناء جدة ( المعبدي 1993 : 70 ).
وفي القرن التاسع للهجرة داهم العالم الإسلامي خطر جديد وهو الغزو البرتغالي.
وكانت جدة بطبيعة الحال هدفاً لطموح البرتغال بوصفها أحد مراكز العالم
الإسلامي التجارية المرموقة , مما دفع السلطان قانصوه الغوري حاكم مصر والشام
والحجاز , إلى المبادرة بإقامة سور محصن على جدة زوده بالقلاع والأبراج
والموانع الضادة للسفن الحربية , واستعدت جدة ومعها مكة للدفاع عن ثغر الحجاز
الأول , لكن الغزو المنتظر تأخر ثلث قرن من الزمان ؛ إذ تم بناء السور عام
915هـ وحصل الغزو عام 948هـ في عهد العثمانين , حينما دفع البرتغاليون
بحملتهم البحرية من الهند صوب جدة , وأدى السور مهمته في الدفاع عنها
( الأنصاري, عبدالقدوس 1982 : 88-89 ).
منياء رابغ :
يقع ميناء رابغ على بعد 160 كيلا شمال جدة . و رابغ واد من الجحفة له ذكر في
المغازي و في أيام العرب ، و معنى كلمة رابغ : العيش الناعم ، و كذلك الذي
يقيم على أمر ممكن له . و يصف الأصفهاني ، و هو من علماء القرن الثالث الهجري
، رابغ بأنها أكبر مدينة تقع بين جدة و المدنية ( الأصفهاني 1968 : 509 ) .
ميناء الجار :
هو ميناء المدنية المنورة منذ صدر الإسلام ، و يقع في مرسى البريكة إلى
الشمال من بلدة الرايس . و تتكون آثار الجار من مجموعة كبيرة من التلال يحيط
بها من ثلاث جهات سور بني من الحجر الجيري ، و تحتوي هذه التلال على بقايا
مدنية الجار . كما يمكن تمييز أرصفة الميناء التي يمتد بعضها إلى داخل البحر
( غبان 1993 : 2 / 18 ) . و في القرن اثالث الهجري وصف عرام السلمي ميناء
الجار و ذكر أن السفن ترفأإليه من ارض الحبشة و مصر و من البحرين و الصين . و
أن الميناء قرية كبيرة آهلة ، بها منبر و قصور كثيرة ( السلمي 1373 : 9 ) . و
في القرن الرابع وصف المقدسي و ذكر أن الجار محصن بثلاثة حيطان و الرابع
البحري مفوه ، و بها دور شاهقة و سوق عامرة و أنها خزانة المدينة النبوية و
أعمالها ( المقدسي 1987 : 83 ) . و منذ القرن الرابع الهجري ضعف شأن الجار
حين اضطراب الأمن في الحجاز بسبب ضعف الحكم . و في القرن الخامس وصفها ناصر
خسرو بأنها ميناء و قرية صغيرة . و في القرن السادس ذكر الأدريسي أنها على
ضفة البحر المالح ، و المراكب إليها قاصدة و مقلعة و ليس بها كبير تجارات (
الإدريسي 1409 : 144 ؛ الأنصاري ، عبد القدوس 1391 : 488 ) و في أوئل القرن
السابع الهجري حول الأيوبيون فرضة المدينة إلى ينبع مما أدى إلى تدهور الجار
و من ثم خرابها .
ميناء ينبع :
تقع ينبع على خط طول 3 – 38 شرقا و دائرة عرض 6 24 شمالا و هي وادي كثير
النخيل له مرسى على ساحل البحر ، و اسم ينبع أخذ من الفعل المضارع لكثرة
ينابيعها ، قال ياقوت نقلا عن الشريف ابن سلمة بن عياش الينبعي : عددت بها
مائة و سبعين عينا . و لقد أطلق اسم ينبع البحر على الميناء للتفريق بينه و
بين ينبع النخل ( المعبدي 1993 : 418 ) . و ينبع البحر جزء أصلي من ينبع
النخل ، و المسافة الموجودة بينهما اليوم هي فراغ العيون التي اندثرت . يقول
الشاعر الينبعي العباسي ابن حسن و هو يصف ينبع لهارون الرشيد :
ياوادي القصر نعم القصر و الوادي
من منزل حاضر إن شئت أو بـادي
تلـقـي قـراقـيره بـالعـقـر واقـفـة
و الضب و النون و الملاح و الحادي
و القراقير هي السفن العظيمة ، و العقر هنا إشارة إلى المرسى ، و النون هو
الحوت ، و الملاح ربان السفينة ، و الحادي حادي الإبل ، فهذا أصدق وصف لينبع
يصورها واحة و مرسى ، فيها الحاضر و البادي و ربان السفينة و صاحب الإبل (
الخطيب 1405 : 12 – 13 ) .
عرف ميناء ينبع زمن الرسول صلى الله عليه و سلم بساحل بولا نسبة إلى عين بولا
إحدى عيون قرية العشيرة و أقرب عيون ينبع إلى المرسى ، و بساحل بولا رست
السفينتان اللتان أقلتا أصحاب الرسول العائدين من الحبشة ( غبان 1993 : 2 /
23 ) . و لم يكن ميناء ينبع مشهورا في القرون الهجرية الأولى بسبب قربه من
ميناء الجار – ميناء المدنية المنورة الأول في تلك الفترة – و لكنه اكتسب
شهرة كبيرة ابتداء من القرن السابع الهجري بعد أن اندثر ميناء الجار ، و زاد
نفوذ الأشراف الحسينيين في ينبع ( غبان 1993 : 2 / 40 ) و في سنة 621 هـ /
1224 م اشتراه الكامل الأيوبي من الأشراف الحسينيين بأربعة آلاف مثقال ، و
جعله ميناء المدينة و قاعدة بحرية متقدمة للأيوبيين في الحجاز ، بهدف مواجهة
الأطماع الرسولية . ظل في يد الأيوبيين حتى سنة 630 هـ / 1232 م ، ثم استولى
عليه الأشراف الحسينيين ، و لم يلبث أن استعاده الأيوبيون و بنوا فيه قلعة
حصينة ( المقريزي د . ت : 1 / 251 ) .
و في سنة 639 هـ / 1241 م اشترى الرسوليون – حكام اليمن – ميناء ينبع من
الشريف الحسين بن على بن قتادة و أمروا بخراب قلعته ( العصامي د . ت : 4 /
218 – 219 ) ، و لكن الميناء عاد بعد ذلك إلى سلطة الأيوبيين و استمر في خدمة
المدينة المنورة طوال العصر الأيوبي ثم المملوكي و العثماني ( غبان 1993 : 2
/ 40 ) ، و نشط ميناء ينبع في عهد الجراكسة لعناية حكامهم بالحرمين الشرفين ،
مما جعل ينبع تستقبل الكثير من السفن التي تحمل المواد الغذائية للمدنية
المنورة . كما أدخل الجراكسة العديد من الاصلاحات المتمثلة في بناء رصيف من
الحجر بجوار الساحل ، و كان دافعهم لذلك استراتيجيا ، و هو أن من يسيطر على
ينبع يسيطر على المدنية المنورة . و كان كافة تجار المدنية يعتمدون في
استيراد بضائعهم على ميناء ينبع . و كان لهم وكلاء معنيون باستقبال بضائعهم
الواردة على السفن و تصديرها على الجمال إلى المدنية المنورة ، و كانت تربط
أهالي ينبع و المدنية صلة تجارية قوية . ( الرويثي 1984 : 321 ، 297 ؛ الخطيب
1405 : 24 ، 61 – 63 ؛ أورقنجي د . ت : 23 – 24 ) .
و قد توالى على إمارة ينبع النخل و البحر في العصر الأيوبي و المملوكي عدد من
الأمراء ، و ممن تولى الإمارة في هذه الفترة هجار بن دراج عام 911 هـ / 1505
م و ظل حتى عام 917 هـ / 1511 م . و في أوائل القرن العاشر اختل الأمن في
الحجاز فخربت ميناء ينبع ( الخطيب 1405 : 69 – 75 ) .
ميناء الحوراء :
تقع الحوراء على بعد 10 كم إلى الشمال من مدينة أملج وكانت في القرون الأولى
الهجرية ميناء المدن الداخلية الواقعة خلفها في منطقة وادي القرن وحرة خيبر (
المقدسي 1987 :83 ) وفي القرن الخامس وصفها العذري في ( نظام المرجان )وذكر
أنها مدينة مسورة بها ثماد و آبار وجامع , وعدها ساحلاً لوادي القرى (الجاسر
1399 : 232 ؛ غبان 1993 : 2 / 24 ).ويبدو أن مدينة الحوراء قد اندثرت في نهاية
القرن السادس الهجري , فقد أشار ياقوت إلى شخص شاهدها سنة 626 هـ و أخبره
بأنها ماءة ملحة وليس بها أحد ولازرع ولا ضرع ( الحموي 1986 :2
/ 316 )
.وللحوراء شهره كبيرة في كتب الرحلات التي تصف طريق الحج المصري (الخطيب 1405
: 126-282 ).
ميناء الوجه :
تقع الوجه على بعد 150 كيلاً شمال الحوراء , وكانت خلال القرون الأولى للهجرة
منهلاً تنزل فيه قوافل الحجاج القادمة من مصر , ومرسىً على طريق الملاحة بين
جدة و القلزم .و بالقرب من الوجه توجد جزية مردونة , التي كانت تؤخذ بها
البشارة من المسافرين بالبحر تيمناً بقرب وصولهم إلى الأراضي المقدسة (الجاسر
1399 :232 ؛ غبان 1993 : 2/28-29 ).
ميناء العونيد :
يقع على بعد 45 كيلاً شمال مدينة الوجه عند مصب وادي عنتر , ويتكون موقعه
الأثري من بقايا مدينة صغيرة مسورة (غبان 1993 : 2
/ 29 ).وصفها المقدسي في
القرن الرابع الهجري بأنها ميناء وادي القرن وساحل قرح وهي ذات مرسى حسن , و
بها قرية صغيرة عامرة كثيرة العسل (المقدسي 1987 :84 ).
ميناء ضبا :
تقع ضبا على بعد 150 كيلاً شمال ميناء الوجه , يرد اسمها في المصادر على صورة
عدة : ضبه وظبه وضبا .وهي من الموانئ الموقعة على خريطة ابن حوقل و الإدريسي
. وكانت ضبا في القرون الأولى للهجرة مرسىً مأموناً به سبع آبار عذبه ويكثر
بواديه شجر المقل ( الدوم ) والتمر الهندي , وتصفها بعض المصادر بأنها قرية
بتهامة على ساحل البحر الاحمر . وقديماً كانت مميزاتها الطبيعية توفر للسفن
فرصة الاقتراب الشديد من الشاطئ . (غبان 1993 :2 /30
).
مينا النبك (المويلح ):
يقع على بعد 45 كيلاً إلى الشمال من ميناء ضبا , ويعرف اليوم باسم المويلح
.وكان النبك في القرون الأولى للهجرة مرفأ مهماً عده العذري من مراسي الطريق
إلى القلزم (الجاسر 1399 :232). ثم زادت شهرة هذا الميناء في العصر المملوكي
حيث كانت ترد إليه المؤن المرسلة من مصر إلى الحجاج في طريق عودتهم من الحجاز
, كما زاد الاهتمام به في العصر العثماني ابتداءً من عصر السلطان سليمان
القانوني الذي أنشأ به سنة 968هـ /1560 م قلعة كبيرةتطل على مكان رسو السفن
بالميناء .
ميناء عينونة :
يقع على بعد 100 كيل شمال ضبا و هو من الموانئ المشهورة بشمال الحجاز منذ
العصور السابقة للإسلام ، حيث كان بها ميناء الأنباط الشهير باسم لوكي كومي ،
كما كان من الموانئ المهمة في القرون الهجرية الأولى . و قد تولى إدارته في
عصر الخليفة العباسي المتوكل 232 – 247 هـ / 846 – 861 م وال مستقل اسمه عبيد
بن جهم ، و كان يتبعه ميناء الحوارء و الموانئ الأخرى المقابلة في مصر بناحية
أسوان و ديار البجة . و قد أسهم والي عينونا في تدعيم الوجود الإسلامي في تلك
البلاد . ( ابن حوقل 1979 : 57 ) و تقع آثار ميناء عينونا في الواحة الخريبة
على ساحل البحر ( غبان 1993 : 2 / 32 ) .
ميناء حقل :
يقع ميناء حقل في رأس خليج العقبة على مقربة منأيلة ( مدينة العقبة ) ، و قد
كان بلدة صغيرة في العصر الأموي ذكرت في شعر كثير عزة . و نقل ياقوت الحموي
عن ابن الكلبي أن حقل ساحل تيماء ، و نقل عن أبي سعد أن حقل قرية بجنب أيلة
على البحر ( ياقوت 1986 : 2 / 278 ) . و إلى حقل ينسب الفقيه أبو محمد
عبدالله بن الحكم بن أعين بن ليث الحقلي المتوفي سنة 214 هجرية ( غبان 1993 :
2 / 37 ) .
ميناء الشعيبة :
فال البكري في معجم ما استعجم : شعيبة بضم أوله على لفظ تصغير شعبة قرية
مذكورة محددة في رسم بيدخ ، و حدث الحربي عن سعيد بن عمرو عن أبيه قال :
أقبلت سفينة فحجتهم الريح نحو الشعبية أي صرفتهم . قال كثير عزة :
شأتك و قد أجد بها البكور غـداة البيـن من أسماء عيـر
كـأن حمـولـها بـملا تـريـم رسفين ، بالشعيبة ما تسير
(ياقوت 1979 : 3 / 350 - 351 )
و يصف ابن المجاور ( ت بعد 626 هـ / 1228 م ) الشعيبة بأنها خور عظيم و مرسى
قديم مقابل وادي المحرم ( وادي يلملم ) و لاشك أنه كان قبل جدة ن لأنه لايوجد
في تلك النواحي مرسى أدنى منه و لا آمن عاقبة ( ابن المجاور 1951 : 43 ) . و
يرى ابن المجاور أن الشعيبة اقدم من جدة ، غير أن الأنصاري يرى أن جدة كانت
ميناء مكة الوحيد قبل الشعيبة ، ثم طرأت أمور سياسية تتصل بعلاقة اليمن في
الجاهلية مع الحجاز فنقل المرفأ إلى موقع الشعيبة بناحية الجنوب ، لأنه أقرب
إلى بلاد اليمن شحنا و تفريغا ، و من ثم هاجر إليها سكان جدة بالتدريج بحكم
الضرورة الاقتصادية . و عمرت الشعيبة كقرية بسيطة لم يهيأ لها أن تضاهي جدة
في سعة عمرانها ، حتى إنه بمجرد أن صدر أمر الخليفة الثالث عثمان بن عفان
بنقل الميناء من الشعيبة إلى جدة هاجر أهل الشعيبة منها أفو اجا إلى جدة ، و
أهملت الشعيبة إهمالا تامت ( الأنصاري 1402 : 57 – 62 ) .
و في العصر العباسي لما أمر الخليفة المهدي بعمارة المسجد الحرام نقل
الأساطين من مصر و من الشام ، و حملت بحرا إلى قرب جدة في الموضع كان في إيام
الجاهلية ساحلا لمكة يقال له ( الشعيبة ) – كما يقول قطب الدين الحنفي في
مصنفه ( الأعلام بأعلام بيت الله الحرام ) – فجمعت هناك الأن مرساه قريب ،
بخلاف مرسى بندر جدة الذي تقف فيه السفينة بعيدة عن البر . و صارت لأساطين
الرخام تحمل من السفينة على العجل . و هي المرة الأولى و الأخيرة التي
استعملت فيها الشعيبة لغرض عمراني بعد هجرها إلى جدة و بعد إقفالها كميناء .
( الأنصاري 1402 : 57 / 62 ) .
ميناء السرين :
يمثل ميناء السرين الواجهة البحرية الثانية لمكة المكرمة و يقع على بعد أحد
عشر كيلا إلى الجنوب الغربي من قرية الوسقة المعروفة حاليا . و آثار الميناء
عبارة عن تل رملي بارز عثر به على الكثير من الخزف و الفخار و مخلفات المباني
، و يحيط به من الناحية الجنوبية الغربية بحر غزير يعتقد أنه كان موقع المرسى
، كما يوجد بالموقع مقبرة كبيرة عثر بها على عدد كبير من شواهد القبور التي
تحمل أسماء بعض من سكن و عاش يهذا الميناء . و قد وصفت السرين إبان ازدهارها
بأنها مدنية عظيمة ، و عدت فرضة السروات . و قد أسهمت السرين كجدة في تجارة
مكة ، حيث كانت تجلب إليها مختلف الحبوب من عثر و مدن اليمن ن و كان لها
تجارة واسعة مع الحبشة . و كان يحكم السرين وال من قبل أمير مكة الهاشمي
يتولى جباية الرسوم على المراكب و التجارات التي تصل إلى الميناء ن و يحتفظ
لنفسه بالنصف ، أما النصف الآخر فهو لصاحب مكة .
و مهما يكن من أمر تجارة السرين الخارجية فإنها لا ترقى إلى أهمية تجارة جدة
؛ و لذا يكمن وصفها بأنها ميناء داخلي لمكة المكرمة يمكن عن طريقه تموين
الشقة الجنوبية لإمارة مكة المكرمة بالتجارة ( الزيلعي 1981 : 184 – 186 ) .
ميناء البرك :
ميناء معروف يقع جنوب ميناء القنفذة ( و هو – على ما يظهر لبعض الباحثين برك
الغماد . و برك الغماد باتفاق المتقدمين ليس بالعالية بل في تهامة ) (
الأصفهاني 1968 : 416 ) ، و يقع عند خط الطول 13 ، 41 ، و دائرة العرض 13 ،
18 .
يذكر ياقوت موقع برك الغماد مرتبطا بعبدالله بن جدعان ، أحد زعماء قريش في
الجاهلية ، على أنه مات و دفن بها ، مما يدل على أن البرك ميناء معروف منذ
ماقبل الإسلام . أدى وقوع البرك على ساحل البحر و في طرف الحرة إلى إضفاء
منظر خلاب على البلدة الواقعة على ربوة مرتفعة من الحرة التي تعانق البحر من
طرفها الغربي . و إلى الشمال من البرك يمتد خور تاريخي مشهور يعرف بشرم
الجارية ، نسبة إلى جارية غرقت فيه ، حينما زلت بها أقدام راحلتها و هي في
طريقها إلى الحج ، على حد قول ابن المجاور .
ميناء عثر :
عثر أو عثر من الموانئ الإسلامية التاريخية بمنطقة جازان ، و يقع على بعد
أربعين كيلا ، من مدينة جازان بالقرب من قوز الجعافر . و قد أطلق لفظ عثر على
مدينة نفسها و على مخلافها الذي سمي باسمها « مخلاف عثر » . و كانت عثر عاصمة
للمخلاف السليماني في عهد سليمان بن طرف الحكمي ، موحد ذلك المخلاف في القرن
الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، ثم في عهد الأشراف السليمانيين الأوائل
الذين خلفوا ابن طرف و استمروا في الحكم المخلاف مدة تزيد على قرنين من
الزمان ،إلى أن انتقلت عاصمة المخلاف من عثر إلى جازان العليا في القرن
السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي ، و في عهد خلفائهم الغوانم .
حطيت مدنية عثر و مخلافها بنصيب وافر من الذكر في كتب الجغرافيين و الرحالة
المسلمين بوصفها مخلافا ، ثم حاضرة من الحواضر الإسلامية في تهامة ، و ميناء
كانت له علاقات و اتصالات تجارية من الموانئ اليمن و الحجاز و الحبشة .
و قد ظلت عثر مزدهرة طوال القرون الستة الأولى للهجرة النبوية ، ثم بدأت في
الاضمحلال بعد ذلك إلى أن اندثرت نهائيا و دخلت في طي النسيان . و قد كشفت
أعمال المسح و التنقيب عما كان لذلك الميناء من صلات تجارية مع المراكز
الحضارية المعروفة في داخل الجزيرة العربية و خارجها ( أطلال 1405 : ع 9 ، 69
– 111 ) .
ميناء الشرجة :
مدينة ساحلية و ميناء من الموانئ الإسلامية التي كانت مثل معاصرتها عثر ، لها
صلات تجارية مع موانئ اليمن و الحجاز و الحبشة ، و كانت تعرف باسم « شرجة حصن
» و « ساحل بلاد حلم » التي كانت تشكل الجزء الجنوبي من المخلاف السليماني
اعتبارا من القرن الرابع الهجري . و تقع أطلالها في الوقت الحاضر على ساحل
مدينة « الموسم » السعودية الواقعة بالقرب من الحدود السعودية اليمنية . و
عرفت الشرجة في المصادر الجغرافية و التاريخية ، بوصفها محطة من محطات طريق
الحج الساحلي إلى مكة المكرمة ، و ميناء يخدم الجزء الجنوبي من المخلاف
السليماني ؛ لأنها تقع في أول حدوده من جهة اليمن ، و تشير الدلائل إلى أن
الشرجة عاشت حتى القرن التاسع الهجري / الخامس الميلادي .
2- الموانئ المطلة على الخليج :
تعد موانئ الأحساء القلب النابض لشبكة التجارة البرية التي كانت تنطلق من شرق
الجزيرة خلال العصور الإسلامية . فكانت تلك الموانئ تستقبل السلع من فارس و
بلاد الهند و الصين و سواحل إفريقيا الشرقية ، و تنقلها إلى أسواق الجزيرة
الداخلية . و في المقابل تعيد هذه الموانئ تصدير قسم من وارداتها من السلع
العربية ، لتنقل إلى أسواق العراق و الشام و بلاد إيران و الهند و شرق
إفريقيا .
و بفضل ازدهار هذه الموانئ و تةسع نشاطها ؛ نشأت حولها عدد من المدن و القرى
، و ارتبط سكانها بالبحر و النشاط التجاري ، و النقل ، و تأمين الخدمات
للتجار و المسافرين . كما قامت إلى جوراها أسواق تجارية ثابتة و أخرى موسمية
ذكرت المصادر منها :
سوق هجر :
و تقام في شهر ربيع الآخرى من كل عام ، و تقصد هذه السوق القوافل
التجارية القادمة من بلاد فارس ، و قد استمر هذا السوق حتى خرب أبو سعيد
الجنابي مدينة هجر عام 286 هـ / 899 م .
سوق الأحساء : تعقد على كثيب رملي يعرف بالجرعاء ، كانت تتبايع عليه العرب ،
و قد استر هذا السوق حتى أواخر أيام الدولة العيونية عام 636 هـ / 1328 م .
و تستورد موانئ شرق الجزيرة أنواع السلع المختلفة التي يصعب حصرها ، و في
المقابل تصدر أصناف العطور و التمور ، و الرماح الخطية و الملاحف و الفوط و
القراطيس .
من أهم موانئ الأحساء في الفترة الإسلامية :
ميناء العقير :
ميناء قديم ذكر في المصادر القديمة ، و كان ميناء العقير في العصر الإسلامي
أبرز منافذ الجزيرة العربية على العالم الخارجي . و قد ذكرته المصادر
الإسلامية المبكرة بأنه « فرضة الصين و عمان و اليمن على ساحل البحر » (
الحربي 1401 : 620 ). بينما عد العقير من المراكز الإدارية بأقليم البحرين ،
و كان يحوي منبرا ( أي مسجدا جامعا ودار إمارة ) . أما عن سكان العقير ، فكان
يقيم فيها بنو الرجاف من عبد القيس ( الحربي 1401 : 620 ) .
ميناء دارين :
فرضة من فرض الخليج كانت تقع في الطرف جزيرة تاروت الحالية ، و هي فرضة قديمة
سابقة للإسلام كان يقوم إلى جوارها حصن قديم عرف بالزارة ، يقيم فيه مرزبان
القطيف . و لما وقعت أحداث الردة في العام الحادي عشر للهجرة اتخذ المرتدون
الزارة مقرا لهم ، و ظل هذا الحصن مستعصيا على المسلمين حتى عام خمسة عشر
للهجرة ، و لم يتمكنوا من فتحه دون مساعدة بعض أهله . و في القرن الثالث
الهجري ذكرت المصادر أن الزارة يقيم فيها رئيس القطيف أحمد بن مسلم العبدي .
و قد خرب هذا الميناء على يد القرامطة الجنابيين عام 283 هـ .و اشتهر ميناء
دارين بأنه مخزن كبير للأفاويه و العطريات و التوابل ،و أكثر الشعراء من ذكر
دارين و ما تعج به أسواقها من ألوان السلع ، فكانت تؤمها القوافل تمتاز من
أسواقها ، و إلى ذلك يشير الشاعر بقوله :
يمرون بالدهناء خفافا عيابهم
و يرجعن من دارين بجر الحقائب
( المسلم 1411 : 271 ).
ميناء القطيف :
عرف هذا الميناء في المصادر باسم الرضة أو القليعة ( تصغير قلعة ) ، و شهد
ازدهارا كبيرا إبان العصر العباسي ، بعد التدمير الذي لحق حصن الزارة و
ميناءها دارين . و في القرن الثامن الهجري ذكر ميناء القطيف في المصادر بأنه
مغاص تفد إليه المراكب عن طريق خور من البحر ، و تدخل عبر هذا الخور المراكب
الموسقة في حالة المد و الجزر ( أبو الفدا د.ت : 133 – 177 ) .
هذه الموانئ الثلاثة هيأت لها الفتوحات الإسلامية فرصة ثمينة لتقوية روابطها
التجارية مع المراكز التجارية الدولية ، فازدادت رحلات السفن و توسع نشاطها .
و بعد قيام الدولة العباسية و نجاحها في بسط السيطرة على خطوط الطرق الدولية
البحرية و البرية ، و انتقال عاصمة الخلافة إلى بغداد ؛ دخلت موانئ الأحساء
مرحلة جديدة من النشاط و التطور ، فأصبحت جزاء من منظومة خطوط النقل البحري
الممتدة من الصين و الهند حتى بغداد . و على الرغم مما أصاب هذه الموانئ فب
بعض الأحيان من تذبذب بسبب الاضطرابات التي اجتاحت شرق الجزيرة العربية ، و
ظهور الدويلات المحلية ؛ فإن هذه الموانئ ظلت تؤدي دورا مهما فب التجارة
الدولية العابرة ، و في تزويد الجزيرة العربية بالسلع .
و في عصر الدولة الجنانية ( 286 – 469 هـ / 899 – 1076 م ) وفرت الضرائب التي
كانت تفرض على السفن المارة بموانئ القطيف و العقير و غيرها موردا ماليا مهما
للدولة الجنابية ؛ فقد كان الجنابيون يفرضون الضريبة العظيمة على المراكب
المجتازة بهم ( النصيبي د.ت : 35 ) .
و قد استفاد مؤسس الدولة الجنابية ابو سعيد ( 286 – 301 هـ / 899 – 913 م )
من علمه ضامنا لمكوس فرضة القطيف في وضع تنظيم مالي و إداري ساعد على تكوين
ثروة كبيرة استمال بها رؤساء القبائل ، مما جعله ينجح في السيطرة على كامل
إقليم البحرين .
و فب المقابل لم يتمكن خصوم الدولة الجنابية من تقويض أركانها و إضعافها
إلابعد تدمير موانئها ( القطيف – العقير – أوال ) ، و تشديد الحصار الاقتصادي
عليها ؛ فقد عمد زعيم القطيف يحيى بن عياش إلى حرب القرامطة حتى استطاع إحكام
قبضته على القطيف و طرد القرامطة منها . و هكذا فإن ضياع ميناء القطيف من
الدولة الجنابية أدى الى زيادة دور ميناء العقير كمنفذ رئيس لمدينة الأحساء
الداخلية ، لكن سرعان ما تقدم أحد الثائرين ضد الدولة الجنابية و فرض حصارا
قويا حول ميناء العقير ، و استطاع أبو البهلول العوام بن يوسف الزجاج من عبد
القيس الاستيلاء على ميناء العقير و تخربيه ، و منع وصول السفن اليه . و قد
بعث هذا القائد برسالة مطولة إلى الخليفة العباسي يطلعه بما قام به ضد
القرامطة . مما جاء فيها :
« و قد تجردت لمناصبة القرامطة و محاربتهم .... فعمدت إلى طرف من أطراف
مملكتهم يعرف بالعقير ، و هو دهليز الأحساء و مصب الخيرات منه إليها ،و كثرة
الانتفاعات التي جل الاعتماد عليها ، فخربته و بالحضيض ألحقته ، و قطعت
المادة عنهم حتى ضيقت فجاج ما كان يتسع لهم .....» ( الجاسر 1402 : 120 ) .
و في العصر الدولة العيونية ( 469 – 636 هـ / 1076 – 1238 م ) تهيأللمنطقة (
إقليم البحرين ) استقرار في أوضاعها السياسية و الاقتصادية و الأمنية . فشهد
النشاط الاقتصادي ازدهارا عظيما بفضل اهتمام الحكام العيونيين بتأمين الطرق
حتى أصبحت القوافل تسير آمنة، و رفعت المكوس و الضرائب عن التجار ، مما انعكس
آثره على حركة التجارة في الموانئ شرق الجزيرة ، و صارت تستقبل البضائع منة
أسواق العراق و مصر و خوارزم و غيرها ( الحسين 1415 : 30 ) .غير أن ضعف
العيونيين في آواخر عهدهم بسبب الاضطرابات التي عصفت بأسرتهم سمح بظهور قوة
محلية تزعمها زعيم قبيلة بني عامر الشيخ عصفور بن راشد بن عميرة العامري . و
قد تمكن العامريون من فرض الهيمنة الكاملة على اقتصاد الدولة العيونية ن و
استطاعوا خلع آخر أمراء العيونيين عام 636 هـ / 1238 م ، و جرى تقسيم أملاك
الدولة العيونية على أمراء بني عامر العصفوريين الذين استمر حكمهم حتى عام
785 هـ / 1383 م ، فقسمت جميع المراكب التجارية و سفن صيد الأسماك ، و عشور
طراز الغاصة ، و ذلك يقول الشاعر الأمير علي بن المقرب العيوني (ت : 636 هـ /
1238 م ) .
و البحر استولوا على مافيه من
صـيـــد إلـى در إلـى مــرجـــان
( ديوان ابن المقرب 1400 : 552 )
|