|
أدت الطرق
التجارية دورا بارزاً في حياة سكان شبة الجزيرة العربية في الفترات التاريخية
التي سبقت الإسلام . و كانت هذه الطرق عاملا كبيرا من عوامل نشاة المدن و
الممالك في شمال الجزيرة العربية و جنوبها . و تجدر الإشارة هنا إلى أن الطرق
البرية كانت أوضح تاثيرا في تفاعل القبائل العربية و تكوين الممالك من الطرق
البحرية . و يمكن أن نهتدي إلى الطرق البرية و معرفتها بمعالم , أهمها : وجود
مدن ذات إرتباط تاريخي في منطقة من المناطق , و في خط يغلب أن يكون خطا متصلا
ً, و مثاله الطريق التجاري بين جنوبي الجزيرة العربية و شمالها . و هناك عالمة
أخرى نتعرف بها على الطريق البري و هي كثرة النقوش أو الكتابات , و بخاصة
كتابات المسند و ما تفرع منها مما كتبه بعض الحكام أو الولاة وله مفهوم
تاريخي يلقي ضوءا على بعض الجوانب الحضارية , سواء ما اتصل منها بالجانب
السياسي أو الاجتماعي أو اللغوي .
أهميتها
:
إستفادات
الجزيرة العربية من الانتعاش الاقتصادي الذي عاشته , بفضل شبكة الطرق
التجارية البرية و البحرية بين كافة أجزائها و بينها و بين الأمم المجاورة ,
خلال فترات مختلفة من حقبة ما قبل لإسلام ، فاستغلت ثرواتها المالية و
التجارية في الموارد الزراعية . و كانت نتيجة ذلك إزدهارا اقتصادياً تجلى في
بناء السدود للاستفادة من مياه الأودية و السيول ؛ و لعل من أهمها سد مأرب .
وكان لكل دولة نظام اقتصادي ينظم شؤنها . كما أدت الطرق و المنافذ التجارية
البرية و البحرية إلى تغييرات أساسية في البنية السياسية للمجتمع العربي قبل
الإسلام . فلم يقتصر التكوين القبلى على القبلية وحدها . إنما تجاوزها الى
نظام الاتحادات القبلية التي يتكون كل منها من مجموعة من القبائل لها رئيس أو
زعيم عرف باسم الملك . و بدأت تلك التجمعات تظهر على مسرح الأحداث بصورة
واضحة منذ القرن العاشر قبل الميلاد . و كان الهدف الأساسي لهذه السياسة
القبلية حماية طرق التجارة من الأخطار الخارجية التي تهددها . و من الأمثلة
على ذلك ما ذكرته المصادر الآشورية التي ترجع إلى شلمنصر الثالث ( 824 – 858
ق.م )
و التي تشير
إلى معارك دارت بينه و بين ( جندبو ) ملك العرب الذي كون مع عدد من الملوك
الآراميين حلفا لرد الهجوم الآشوري في موفعة قرقر ( يحيى 1984 : 92 ) .
و كان لوجود
الطرق التجارية القديمة في الجزيرة العربية , وما صاحبها من تداخل ثقافي و
اجتماعي ، دور أساسي في إيجاد تراث ديني مشترك لعرب الجزيرة العربية جنوبها و
شمالها . و تشير اتلأدلة الآثارية إلى أن معبودات عرب جنوب الجزيرة مثل إل ,
وود ، ونكرح ، وعشتر ، و كهل كانت ضمن معبودات عرب الشمال : الديدانيين و
اللحيانيين و الثموديين و الصفويين . و من جهة أخرى فقد كانت معبودات عرب
الشمال الجزيرة العربية ، و على رأسها ذو غابة المعبود الرئيسي للحيانيين ، و
تعبد عند عرب الجنوب المعينيين (الانصاري 1984 : 14 ).
و تسير
الأصنام التي عبدها العرب قبل الإسلام بمختلف أشكالها و أنواعها إلى بعض
التأثيرات الفكرية و الدينية الوافدة إليهم من بلاد الرافدين ، و من الحضارات
المصرية و الهيلينستية و الرومانية و الفرثية ، و التي تجمعت من خلال التواصل
و التداخل التجاري و الاقتصادي بين العرب و أهل تلك الأمصار ، عبر شبكة واسعة
من الطرق البرية و البحرية .
و عبر الطرق
التجارية انتقلت الكتابة و خط المسند . و الخط الآرامي النبطي فكان لذلك أثر
كبير في ثقافة الجزيرة العربية . فالقلم المسند كان قلم الرسمي الذي عبر به
أهل الجزثرة العربية ، شمالها و جنوبها ، في حقبة ما قبل الإسلام ، فكتبت به
ممالك سبأء و معين و قتبان و حضرموت و أوسان و حمير ، و انتشر أيضا قي الشمال
، فكتب به الديدانيون و اللحيانيون في العلاء ، كما كتب به أرباب القوافل و
سكان البادية فيما سمي خطأ بالكتابات الثمودية و الصفوية . و قد استطاعت
المنافذ التجارية الشمالية أن تنقل معها القلم الآرامي – النبطي و التدمري
الذي وجد في مناطق متفرقة في شمال الجزيرة العربية و وسطها ، كما نقلت أيضاء
القلم الآرامي – البهلوي الذي وجد في أختام وأوزان البرونز ، كتلك المكتشفة
في موقع « قرية » الفاو ( الأنصاري 1982 :23 ) . و من جهة أخرى فقد كانت بعض
الأسواق التي أقميت على امتداد طرق التجارة البرية مراكز للثقافة و منتديات
للشعر في الجزيرة العربية مثل أسواق عكاظ ، و1دي مجنة ، وذي مجاز ، ودومة
الجندل ، و المشقر ، و الشحر ، و حضرموت ، و عدن ، و صنعاء ، و دارة جلجل . و
قد ذاع صيت هذه الأسواق و ارتبطت بفحول الشعراء في العصر الجاهلي .
طرق التجارة
البرية
أدت طرق
التجارة البرية دوراً مهماً في إزدهار حضارات شمال الجزيرة العربية وجنوبها ,
إذ ربطت إنتاج البخور في جنوب الجزيرة العربية وماورائها بأسواقه في شرقها
على الخليج العربي وبلاد الرافدين ومنطقة حوض البحر المتوسط ووادي النيل .
وكان للبخور أهمية قصوى في المناسبات والطقوس الدينية , وفي مراسم دفن الموتى
بل كان يدخل أيضاً في صناعة العديد من الأدوية . وبالإضافة إلى البخور جابت
القوافل فيافي الجزيرة العربية وقفارها حاملة البضائع الكمالية من دول شرق
آسيا , وقد شملت الحرير والملابس الناعمة والأحجار الكريمة , حيث كانت تحمل
إلى موانئ جنوب الجزيرة العربية وشرقها ( Beek
1985:35-42
؛
Doe 1971:51-52
؛ السعود1996 : 99-103).
ولعل من أهم
العوامل التي ساعدت على تطوير حركة النقل التجاري في الجزيرة العربية
وإزدهارها إستئناس الجمل في حوالي الألف الثاني قبل الميلاد فساعد ذلك على
سرعة التنقل عبر السهول والوهاد المترامية الأطراف ( ا Groom
1981:34).
وهناك أربعة
طرق رئيسية للتجارة البرية والقوافل في الجزيرة العربية هي :
·
الطريق الذي يبدأ من قنأ بحضرموت , ويتفرع منه فرعان يبعد
احدهما عن الآخر بحوالي 160 ميلاً , يتجه الأول شرقاً على إمتداد وادي ميفعة
ومنه إلى شبوة .ويتجه الفرع الثاني من قنأ إلى وادي حجر , ثم يمر بوادي أرماح
الذي يسقي شبوة , ومن شبوة يتجه الطريق نحو عدن ثم يواصل إلى نجران
Bowen
1958:35-42; Groom 1981:165-188)
ومن نجران
يتجه الطريق شمالاً بشرق إلى وادي الدواسر ويمر بقرية الفاو ثم الأفلاج
فاليمامة (الخرج) , حيث يتفرع منه طريقان آخران , أحدهما يتجه شرقاً نحو
الخليج العربي والآخر شمالاً صوب بلاد الشام (الأنصاري1975:76
Brice 1984:178
; ).
·
الطريق الثاني يبدأ من الركن الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة
العربية حيث ممالك سبأ ومعين وحمير وأوسان وقتبان , ويتجه نحو الشمال مخترقاً
الحدود الشمالية لمنطقة سبأ , ثم يتخذ بعد ذلك شكل ممر ضيق يقع في أرض
المعينين , ثم يستمر الطريق شمالاً إلى ديدان( العلا الحالية ) ثم إلى
مدين( البدع حالياً ). ولاتزال هناك آثار شاخصة تومئ إلى حياة الرفاهية والثروة
الكبيرة التي كانت تتمتع بها هاتان المدينتان . ومن مدين يواصل الطريق مسيره
إلى أيلة( العقبة حاليا ً) ثم بعد ذلك إلى البتراء عاصمة دولة الأنباط , ثم
يتفرع إلى فرعين , أحدهما يتجه إلى تدمر في الشمال , والآخر يتجه صوب الغرب
مع ميل خفيف بإتجاه الشمال الغربي حيث يصل إلى غزة على الشاطئ الفلسطيني
( يحيى1979 : 314 - 315 ) وعلى هذا الطريق كانت تسير قوافل قريش قبل الإسلام في
رحلتيها المشهورتين , إحداهما في الشتاء إلى اليمن والأخرى في الصيف إلى
الشام(السعود1996 : 101).
·
والطريق الثالث هو الذي يأتي من منطقة حضرموت وعمان ويتجه إلى
واحة يبرين عبر الحافة الشرقية للربع الخالي , ثم يواصل إلى الجرهاء على
الخليج , فالعراق , ويتجه من يبرين إلى اليمامة حيث يلتقي بفروع الطريق
الغربي المتجه إلى بلاد الشام ( يحيى1979 : 317-318 ؛ السعود 1996 : 101 ).
·
والطريق الرابع يخترق الجزيرة العربية شمالاً بشرق حيث يبدأ
من مكة وينتهي بوادي الرافدين , واشتهر بإسم درب الحيرة. ولاتزال هناك آثار
شاخصة لهذا الطريق , الذي أصبح طريقاً رئيسياً للحج والتجارة في صدر الإسلام
وعرف بإسم درب زبيدة ( يحيى1979 : 318 -
319 ).
وهذا الحديث
عن الطرق التجارية يقودنا للحديث عن أهم الدول والقبائل التي إستخدمت هذه
الطرق التجارية البرية . ولعل من أهمها دولتي سبأ ومعين في جنوب الجزيرة
العربية , اللتين إمتد نفوذهما إلى شمال الجزيرة في بعض فترات التاريخ . وقد
بلغت سبأ شأناً كبيراً في مضمار التجارة , بسبب إستغلالها للطرق الكبرى وبسط
نفوذها المباشر وغير المباشر عليها . وكذلك فعلت دولة معين وهي معاصرة لسبأ .
وفي الوقت ذاته فإن دولتي حضرموت وقتبان إستعملتا الطريق البري والبحري ,
بحكم موقعها الجغرافي . وقد تحدثت التوراة والكتب اليونانية والرومانية كما
تحدث القرآن الكريم عن مستوى الرفاهية والبذخ الذي كانت تعيش فيه دولة سبأ .
وكانت سبأ تتاجر بسلع ذات قيمة مثل : الذهب والفضة والأحجار الكريمة والتمور
والبخور , مع بلاد الشام والرافدين (الأنصاري 1975 : 76 ).
وهناك واحة
العلا ( ديدان ) والتي تقع شمال المدينة المنورة وتبعد عنها حوالي ثلاثمائة
وخمسين كيلاً . ويرجع تاريخ حضارة هذه المنطقة إلى ماقبيل القرن السادس قبل
الميلاد . وقد تحدث العلماء عن الفترة الأولى وأطلقوا عليها إسم ديدان ,
وجعلوا فترة حكمها تمتد من نهاية القرن السابع حتى بداية القرن الخامس قبل
الميلاد واعتمدوا في ذلك على تكرر لقب ملك ددن في بضعة نقوش , ثم أصبحت مملكة
لحيان هي المسيطرة منذ القرن الخامس قبل الميلاد , وحتى نهاية القرن الثالث
قبل الميلاد . ويعتقد أن الفترة الديدانية يمكن أن نسميها فترة لحيان الأولى
, وكانت الدولة فيها تنتمي إلى المكان لشهرته ولمركزه الديني , ثم تحول إسم
الدولة إلى إسم القبيلة « لحيان » عندما توسع نفوذها , ويمكن تسميتها لحيان
الثانية , وأصبحت تحكم مابين دومة الجندل شرقاً وساحل البحر الأحمر الشمالي
حتى خليج العقبة الذي سمي بإسمها , فقد كان يسمى خليج لحيان , وبقي صدى هذا
المسمى حتى القرون الأولى الميلادية . وفي هذه الفترة كانت لحيان تتاجر مع
بلاد الشام شمالاً , ومع العراق شرقاً , ومع جنوب الجزيرة العربية ووسطها
جنوباً , وهذا ماتشهد به النصوص والآثار اللحيانية التي وجدت في ديدان
( العلا ) نفسها , أو في مناطق أخرى كقرية ( الفاو ) , وجبال كوكب الواقعة جنوب
تثليث , وشواهد القبور في سبأ . ومع بداية القرن الثاني قبل الميلاد شارك
المعينيون اللحيانين في الحكم , وكانت مملكتهم في منطقة جوف اليمن , وكانت
مملكتهم أنشط الممالك العربية في التجارة , بل تفوقوا على سبأ و وصل نشاطهم
التجاري إلى قرية والخليج والعلا . وهكذا شارك المعينيون بقوة في تجارة العلا
مما أضعف الوجود اللحياني , ثم تلا ذلك إمتداد نفوذ الأنباط إلى الجنوب حتى
وصل إلى حدود يثرب .(الأنصاري1418 :3-11).
أما تيماء ,
فهي تقع جنوب شرق مدينة تبوك على بعد 260 كيلاً . وقد لعبت دوراً كبيراً في
تاريخ شمال الجزيرة العربية الاقتصادي والسياسي , لوقوعها على الطريق التجاري
بين الشمال والجنوب . ولعل أهم الأحداث التي تبرز في تاريخ تيماء مجيء نبونيد
من وادي الرافدين وبقائه في تيماء قرابة عشر سنوات , بنى فيها قصره العتيد
الذي تدل عليه الأسوار الضخمة . وتذكر الرواية التاريخية أنه أفنى نحو عشرين
ألفاً من سكان تيماء ليسيطر عليها وهذا الرقم على مافيه من مبالغة يدل على
الأهمية الاقتصادية والنمو الحضاري الذي كانت تتمتع به تيماء (الأنصاري 1975 :
80؛ أبو درك1986 : 7, 52 ).
وقد ذكرت
تيماء في النقوش الآشورية والبابلية بوصفها مركزاً تجارياً لبعض القبائل
العربية وكانت لها أهمية خاصة على الطرق البرية الرئيسية المؤدية إلى الشواطئ
الشرقية إلى البحر الأحمر ( أبو درك 1986 : 3 ). وقبيل الإسلام بسط الغساسنة
نفوذهم على هذه المدينة التجارية المهمة التي وجد بها العديد من الآبار
والمعالم الأثرية ( الأنصاري 1975 : 80 ).
وكانت دومة
الجندل أحد أهم مراكز تجارة القوافل , فضلاً عن أهميتها الدينية للقبائل
العربية قبل الإسلام حيث عرفها الآشوريون والبابليون وشنوا عليها حملات يعود
أقدم ماسجل منها إلى القرن الثامن قبل الميلاد , كما أخذوا عدداً من ملكاتها
أسيرات إلى بابل . وكانت أهم القبائل التي تسكن هذه المنطقة من دومة حتى
تيماء قبيلتي قيدار و أدوم . ولعل إسم دومة اشتق من إسم هذه القبيلة , التي
جاء ذكرها في التوراة بإعتبارها إحدى القبائل ذات الشوكة في المنطقة
(الأنصاري 1975 : 80-82 ؛
Al-Muaikel 1994
: 11-29).
وأدت دولة
الأنباط التي ظهرت على مسرح الأحداث في المنطقة التي تشمل شمال المملكة
العربية السعودية وجنوب الأردن في الفترة مابين القرن الأول قبل الميلاد
والقرن الثاني الميلادي دوراً بارزاً في حركة التجارة البرية بين شمال
الجزيرة العربية و جنوبها . وكانت طرق القوافل القديمة تمر عبر الحجاز إلى
منطقة الحجر ( مدائن صالح ) ثم إلى البتراء ومن هناك تتجه غرباً عبر مدن
الأنباط إلى غزة والعريش , وشمالاً إلى دمشق ومنها إلى ساحل البحر المتوسط .
وتدهورت
القوة التجارية بدولة الأنباط بسبب الإحتلال الروماني للمنطقة الشمالية لهذه
المملكة عام 106م , وتحول البتراء إلى مقاطعة رومانية ( الأنصاري 1984 :
44-46 ) . وأعقب ذلك تحول الطرق التجارية إلى طريق البحر الأحمر مروراً بمصر ,
و إلى طريق الخليج العربي مروراً بتدمر , ومن هناك على الإمبراطورية
الرومانية .
وقد عمل تطور
هذه الطرق البحرية على الانهيار السريع للأنباط بعد عام 106 م (هيلي 1986 :
137). وتعد قرية (الفاو ) إحدى أهم المدن في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام
.فقد كانت هذه المدينة , التي عرفت في كتابات المسند باسم « قرية ذات كهل » ,
عاصمة مملكة كندة الأولى ( منتصف القرن الأول قبل الميلاد إلى بداية القرن
الرابع الميلادي ). وعاشت نحو ثمانية قرون من الزمان مابين القرن الرابع قبل
الميلاد حتى بداية القرن الرابع الميلادي . واكتسبت أهميتها التجارية من
وقوعها على طرق القوافل المتجهة جنوباً إلى اليمن , وشمالاً بشرق إلى الخليج
العربي وشمالاً عبر الصحراءإلى بلاد الشام . وأثبتت الأدلة الأثرية التي كشفت
عنها حفريات جامعة الملك سعود خلال العقدين الماضيين أن هذه المدينة من اكبر
مدن القوافل , سواء في الجزيرة العربية أو ما جاورها , اذ بلغ طولها من
الشمال إلى الجنوب خمسة اكيال وعرضها من الشرق إلى الغرب حوالي كيلين .
وقد كان
للطرق التجارية البرية الممتدة من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها دور رئيس
في حياة سكان « قرية » لأنها كانت عاملاً مهماً في اتصالهم بالأمم الأخرى
.وبسبب إزدهار الحركة التجارية نهضت مرافق الحياة المختلفة .وكانت الحبوب
والطيوب والنسيج والأحجار الكريمة والمعادن والذهب والفضة والنحاس والحديد
والرصاص أهم السلع التي تاجر فيها أهل « قرية » عبر هذه المسارات التجارية
.وقد انعكس ثراء أهل « قرية » على مابنوه من دور وقصور وأسواق ومقابر ومعابد
ومازينو به منازلهم من رسوم متنوعة وتماثيل معدنية واخرى من المرمر ( الأنصاري
1982 .77- 88).
وفي أوائل
القرن الرابع الميلادي تدهورت تجارة القوافل بسبب كساد أسواق البخور في جنوب
الجزيرة العربية ؛ لأن البخور كان أهم سلع التجارة في العالم القديم ؛
لاستخدام في الطقوس الدينية التي تمارس في المعابد والقصور وحتى في بيوت عامة
الناس .
وهناك ثلاثة
أسباب محتملة لهذا الإنهيار , وهي : إنتشار المسيحية في الإمبراطورية
الرومانية وما تبعه من قلة استخدام البخور في الطقوس الدينية الكنسية , وضعف
الإمبراطورية الرومانية مما أدى إلى إنفلات الأمن على طرق البخور المتجهة صوب
البحر الأبيض المتوسط . و أما السبب الثالث فهو الحروب الداخلية بين دويلات
الجزيرة العربية ؛ وما نجم عنها من إنهيار هذه الدول وانزوائها .ورغم ذلك
استمرت طرق التجارة البرية وحركة القوافل بشكل متقطع حتى قبيل ظهور الإسلام(Groom
1981 :162 ؛
السعود 1996 :103 ).
طرق
التجارة البحرية
دخل النشاط
البحري عبر موانئ الخليج العربي والبحر الاحمر ميدان الصراع السياسي
والإقتصادي بين القوى الموجودة في المنطقة منذ قرون عديدة سابقة للميلاد .
ذلك أن عرب الجزيرة العربية ,المسيطرين على معظم الطرق التجارية العابرة بين
الشرق والغرب في العالم القديم , كانوا ينقلون بضائعهم على شبكة من الطرق
البرية تصل جزيرتهم بالمناطق المجاورة (
الانصاري 1975 :75-76
) . وقد شكل عدم
اهتمامهم الكافي بنقل بضائعهم عن طريق البحر نقطة ضعف استغلها منافسوهم من
الإغريق والرومان , فعملوا على تحويل طرق التجارة العابرة إلى البحر , بعد أن
بسطوا نفوذهم على المنافذ البحرية في كل من بلاد الرافدين والشام و مصر وحوض
البحرالأبيض المتوسط , وكان هدفهم إضعاف المالك والدويلات العربية والقضاء
على نفوذها وثرائها (غبان 1993 :1/141-
142).
وفطن عرب
الجزيرة إلى مخططات منافسيهم , فسارعوا إلى اقتحام ميدان التجارة البحرية ,
وساعدهم على ذلك الموقع الجغرافي الإستراتيجي لجزيراتهم التي تحدها من جهات
ثلاث . و قد تمكن العرب من ارتياد البحر و النفاذ من خلاله إلى أقاليم مختلفة
من العالم سعيا وراء تجارتهم و تسويق بضائعهم . و اتصلوا يالدول و الأقاليم
الواقعة على الضفاف المقابلة للجزيرة العربية عبر شبكة من الطرق البحرية ،
كانت تمتد من خليج العقبة في شمال البحر الاحمر مرورا بسواحل بحر العرب ، حيث
يتجه فرع عبر المحيط الهندي إلى سواحل الهندية ، و بينما يستمر الفرع الآخر
في المسير إلى أن يصل رأس الخليج العربي . و فضلا عن ذلك ، فإن اتجاه العرب
إلى التجارة البحرية كان أيضاء بسبب اضطرار سفن مناوئيهم اليونانيين و من
بعدهم الرومان إلىدخول موانئهم ، و هو أمر كانت تفرضه قوانيين الملاحة بالسفن
الشراعية أو السفن التجديف المستخدمة في ذلك الزمان ( غبان 1993 : 1 / 142 ).
طريق الساحل
الشرقي و موانئه :
تواصلت
علاقات الجزيرة العلربية التجارية مع الأقاليم المجاورة عبر ساحلها الشرقي ،
فظهرت المرافئ و المراسي الطبيعية التي ذكرتها العديد من المصادر التاريخية .
و قد ساهم في قيامها توافر المياه الصالحة للشرب فيها كما هو الحالى في جزيرة
تاروت بشرق المملكة العربية السعودية ، و فيلكا بدولة الكويت ، و جزبرة
البحرين ، و أم النار بدولة الأمارات العربية المتحدة و شبة جزبرة مسندم
بسطلنة عمان (
عبده 1988 : 206 –
229 ) . و قد أدت هذه المراسي دورا كبيرا في
حركة النقل البحري في منطقة الخليج العربي خلال العصور القديمة .
و هناك ميناء
الجرهاء ، على الساحل الشرقي للمملكة ، و الذي كان مركز تجاريا مهما في القرن
الثاني الميلاد ، ذا نشاط يصل إلى جنوب الجزيرة العربية و إفريقيا و بلاد
الرافدين و الهند , و اشتهر أهلها بالثراء العريض حيث كانوا يمتلكون الذهب و
الفضة و المصنوعات الفاخة ( البدر 1974 : 30 – 33 ؛ جروم 1982 : 95 – 105 ؛
عبده 1988 : 218 – 219 ) و ربما كان ميناء الجرهاء ميناء لمعين و كندة عندما
كلنت قرية الفاو في أوجة نشاطها التجاري و تفوقها السياسي ( أ.د. الأنصاري :
رأي قيد النشر ).
و هناك ميناء
خاراكس –
Charax
( ميسان الخالية ) على رأس الخليج العربي جنوب وادي الرافدين ، الذي أشارت
إليه حوليات العهد المبكر من حكم أسرة ( هان ) الصينية في معرض حديثها عن
العلاقات التجارية مع منطقة الشرق الأدنى في الفترة التي ترجع إلى بعد 140
ق.م ( يحيى 1979 : 326 – 327 ) .
طريق ساحل
اليبحر العربي و موانئه :
أدت الموانئ
و المراكز التجارية في الجنوب الجزيرة العربية دورا بارزا في تمتين العلاقات
التجارية من الأمم و الأقاليم المجاورة . و كانت عدن منذ القرن السادس قبل
الميلاد ميناء مهما على بحر العرب في طريق التجارة القادمة من مصر و ساحل
أفريقيا الشرقي و المتجهة إلى الهند . و هناك قنا ( حصن الغراب ) و هى ميناء
حضرموت القديم على بحر العرب ، و قد تاجر فيه الحميريون منذ القرون الأخيرة
قبل الميلاد إلى أواخر القرن الأول الميلادي ( 184 – 182 : 1971
Doe
؛ 42 -35 : 1958
Bowen
) .
و هناك أيضا
ميناء سمهرم – ميناء ظفار – الذي أسسه أحد ملوك شبوة في القرن الأول قبل
الميلاد ، كما تدل على ذلك الآثار و النقوش التي كشفت بموقع هذا الميناء في
خور روري قرب بلدة طاقة الحالية في ظفار . و كانت السفن تؤم هذا الميناء في
طريقها الى الهند ، و منه كان يصدر اللبان ( وزارة الإعلام و الثقافة بسلطنة
عمان 1979 : 22 – 23 ) .
و ظلت
التجارة البحرية الهندية و الأفريقية في أيدي العرب بعد انحسار نفوذ
الفينيقيين ، الذين سيطروا على طرق التجارة في البحر الأحمر و البحار المتصلة
به طوال القرن العاشر قبل الميلاد . و مما ساعد على ذلك اضطراب الأحوال
السياسية في مصر في تلك الفترة ( زيادة 1984 : 259 – 260 ) .
و يبدو أن
استخدام العرب للملاحة في المحيط الهندي قد انحسر في القرون الأخيرة قبل
الميلاد ، حيث تعوزنا الكتابات و النقوش التي تشير إلى حركة تجارية في ذلك
الحين عبر ذلك الممر المائي . و ربما كان هناك سببان لذلك ؛ أولهما : سيطرة
البطلمة على النشاط التجاري في البحر الأحمر و لالمحيط الهندي مما أدى إلى
تراجع التجارة البحرية في البحر من الجزبرة العربية على الأقل . اما السبب
الثاني فهو اكتشاف بحار يوناني اسمه هبالوس –
Hippalos
أهمية الرياح الموسمية في تسهيل الرحلات عبر المحيط الهندي ، حيث أمكن وضع
جدول زمني ينظم الرحلات في شهور معينة من السنة . و قد أدى ذلك إلى زيادة
كبيرة في التجارة المباشرة عبر المحيط الهندي ، و لم يتمكن التجارة العرب من
منافسة التجارة الإغريق الذي الذين كانوا يستخدمون سفنا بينما كانت السفن
العربية أقل حجما ( 28 : 1963
Horurani
؛ يحيى 1979 : 329 – 330 ) .
طريق ساحل
البحر الأحمر و موانئه :
تتحدث
المصادر التاريخية و كذلك الأدلة الأثرية إلى العديد من الوانئ على هذا
الطريق الساحلي ، لعبت دورا مهما في تجارة الجزيرة العربية في القرون التي
سبقت الإسلام .
و تشير
السجلات التاريخية إلى ميناء نبطي على الساحل الشمالي الغربي للمملكة يدعي
باللغة الإغريقية ( لوكي – كومي –Leuke
Kome
) أي القرية البيضاء . و يمتد من هذا الميناء طريق إلى
البتراء عاصمة الأنباط .(61 – 55 : 1984
Kirwan
؛
هليى 1986 : 137 ) . و اختلف الدارسون في التجديد الدقيق لموقع هذا الميناء ،
فبعضهم يرى انه يقع قرب ينبع ، و بعضهم يرى إنه يقع شمال أملج في موقع مدنية
الحوراء الأثرية ( علي 1980 :46 ) . بينما يرى البعض الأخر أنه يقع في عينونا
ن و هذا الرأي الأخير يرجحه اكتشاف ميناء أكراكومى جنوب مدينة الوجه ، و هو
ميناء نبطي آخر كان معاصرا لميناء لوكي كومي و استخدام ميناء لمنطقة الحجر (
غبان 1993 : 1 / 21 – 25 ) .
و رغم الضغط
المتزايد على دولة الأنباط – و لاسيما في الفترة ما بين قبل الميلاد إلى
منتصف القرن الأول الميلادي – إلا أنهم تمكنوا من تطوير اقتصادهم و زراعتهم
عن طريق التوسع في استخدام طرق الري , و يرجع ذلك جزيئا إلى تدهور الطرق
التجارية المتجهة صوب الجنوب ( هيلي 1986 : 136 ) .
و حاول
البطالمة في مصر بسط نفوذهم على منطقة شمال بحر الأحمر لتحويل حركة التجارة و
النقل البحري من موانئ جزيرة العرب إلى موانئ المصرية , إلاأنهم فشلوا في
تحقيق ذلك الهدف ( جبرا 1951 : 264 – 265 ).
و بعد أن ورث
الرومان النفوذ البطلمي في الشرق , حاول القيام بالماولة نفسها , فأرسل
حاكمهم في مصر جيشا عبر البحر الأحمر بقيادة إليوس – قالوس الذي نزل في ميناء
لوكي – كومي عام ( 24-25 ق.م ) ثم سار عبر الطريق البري للاستيلاء على
الموانئ الواقعة على امتداد ساحل الجزيرة العربية الغربي إلى قرب اليمن . و
كان مآل هذه الحملة الفشل بسبب مقاومة العرب و تفشي الأمراض بين أفراد جيشه ,
فضلا عن حر الصحراء القائظ و العطش الذي حاق بجنده , مما اضطر قائد الحملة و
فلول جيشه في نهاية المطاف إلى أن يعودوا أدراجهم إلى مصر ( جبرا 1951 : 264
– 265 ؛ غبان 1993 : 1 / 144 ) .
و استمر نفوذ
الرومان على ميناء لوكي – كومي لفترة ليست بالقصيرة ، خاصة بعد أن ضموا
البتراء إلى نفوذهم و أصبحت ولاية رومانية ، و فرضوا إدارة لجباية الضرائب من
السفن و التجارة ؛ فكانوا يأخدون ربع أثمان السلع الواردة إلى الميناء ( علي
، جواد 1980 : 45 ) .
و في عهد
الدولة البيزنطية استمرت الموانئ الشمالية للحجاز تشارك في حركة النقل البحري
بين الحجاز و مصر . و توجد اليوم على امتداد ساحل الحجاز مواقع أثرية تراجع
إلى العصور النبطية و الرومانية و البيزنطية ، ووجدت على سطوحها العديد من
الكسر الفخارية ة الزجاجية و القطع المعدنية و بعض العملات و غيرها من المواد
التي تنبئ عن أوضاع اقتصادية مزدهرة خلال تلك الحقب ( كيليك 1981 : 37 – 52 ؛
غبان 1993 : 1 / 145 ) .
و قبيل ظهور
الاسلام اضمحلت التجارة المنقولة بحرا بين موانئ الحجاز و موانئ البحر الأحمر
الأخرى بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة آنذاك . و رغم ذلك كان سكان مكة و
المدينة يستخدمون , في بعض الاحيان , الموانئ القريبة منهم للتصدير و
الاستيراد , فقد استخدام اهل مكة ميناء الشعيبة في تجارتهم مع شرق أفريقيا و
بخاصة الحبشة , على حين استخدام أهل المدينة ميناء الجار الذي يقع بالقرب من
ميناء ينبع ( غبان 1993 : 1 / 146 ) .
|